د. عبدالحليم موسى
في الماضي كان مشجعو كرة القدم يجلسون أمام شاشات التلفاز يتجادلون حول هوية البطل القادم اعتمادا على الحدس والخبرة والانطباعات الشخصية، أما اليوم وفي عصر الذكاء الاصطناعي، فقد أصبحت الخوارزميات تدخل بقوة إلى عالم التنبؤ الرياضي، حتى باتت بعض النماذج الحاسوبية تحلل ملايين البيانات المتعلقة بأداء اللاعبين، ونسب الاستحواذ واللياقة البدنية والإصابات، والتاريخ التنافسي والظروف المناخية، بل وحتى الحالة النفسية للاعبين كما تنعكس في المؤشرات الرقمية.
فالذكاء الاصطناعي لا يملك القدرة على معرفة بطل كأس العالم بصورة يقينية، لأنّ كرة القدم ليست معادلة رياضية خالصة، بل مساحة تتداخل فيها الإرادة الإنسانية والعاطفة والمفاجأة والصدفة، فالخوارزميات تستطيع أن تخبرنا بمن يملك فرصا أكبر للفوز، لكنها لا تستطيع أن تتنبأ باللحظة التي يقرر فيها لاعب مغمور أن يكتب اسمه في التاريخ بهدف قاتل يغير مصير بطولة بأكملها.
ومن هذا المحور تبدو النتائج العربية الأخيرة أقل غرابة عندما ننظر إليها من منظور الذكاء الاصطناعي، فالتحليل الرقمي يكشف أنّ كثيرا من المنتخبات العربية دخلت المنافسات وهي تواجه فجوة في مؤشرات العمق الفني، واستمرارية الأداء، وعدد اللاعبين المحترفين في الدوريات الكبرى، مقارنة ببعض المنتخبات المنافسة، كما أنّ البيانات تشير إلى أنّ الإنجازات الاستثنائية، مثل وصول المنتخب المغربي إلى نصف نهائي مونديال قطر 2022، كانت نتيجة تلاقي مجموعة نادرة من العوامل الفنية والنفسية والتنظيمية في توقيت واحد.
لقد كان مونديال قطر لحظة تاريخية أثبتت أنّ المستحيل يمكن أن يصبح ممكنا، لكن الذكاء الاصطناعي يعلمنا أيضا أنّ الإنجاز الاستثنائي لا يتحول تلقائيا إلى قاعدة دائمة؛ فالفرق الكبرى لا تعتمد على بطولة واحدة، بل تبني منظومات متكاملة من اكتشاف المواهب وتحليل الأداء والتطوير المستمر لعقود طويلة.
واليوم تستخدم الأندية والمنتخبات الكبرى الذكاء الاصطناعي في مجالات متعددة، منها تحليل أداء المنافسين قبل المباريات؛ حيث لم يعد المدرب يعتمد فقط على مشاهدة المباريات السابقة للمنافس، بل أصبحت أنظمة الذكاء الاصطناعي قادرة على تحليل آلاف اللقطات خلال دقائق معدودة، واستخراج أنماط اللعب المتكررة ونقاط القوة والضعف والمساحات التي يفضل المنافس التحرك فيها، وبهذه الطريقة يتحول التحضير للمباراة من اجتهاد بشري محدود إلى عملية علمية دقيقة تعتمد على البيانات الضخمة.
أما من ناحية التنبؤ بالإصابات وتقليل مخاطرها؛ فقد أصبحت المستشعرات الذكية والأجهزة القابلة للارتداء تراقب المؤشرات الحيوية للاعبين بصورة مستمرة، مثل معدل نبضات القلب وسرعة الجري والإجهاد العضلي، ومن خلال تحليل هذه البيانات تستطيع الخوارزميات اكتشاف مؤشرات الإنهاك قبل حدوث الإصابة فعليا، مما يمنح الطواقم الطبية فرصة للتدخل المبكر وحماية اللاعبين من الغياب الطويل.
ومن ناحية تقييم الجهد البدني للاعبين لحظة بلحظة في كرة القدم الحديثة لم يعد النجاح مرتبطا بالمهارة فقط، بل بقدرة اللاعب على المحافظة على مستواه طوال المباراة، ولهذا تستخدم الأندية أنظمة ذكاء اصطناعي تراقب المسافات المقطوعة وسرعة التحركات ومعدلات استهلاك الطاقة، مما يساعد المدربين على اتخاذ قرارات دقيقة بشأن التبديلات وإدارة الجهد البدني أثناء اللقاء.
أما اكتشاف المواهب الواعدة في مختلف أنحاء العالم؛ فقد كان اكتشاف اللاعبين يعتمد بصورة كبيرة على الكشافين وخبراتهم الشخصية؛ أما اليوم فأصبحت الخوارزميات تبحث في قواعد بيانات ضخمة تضم آلاف اللاعبين حول العالم، وتقارن بين المؤشرات الفنية والبدنية والنفسية، لتحديد المواهب التي قد تصبح نجوما عالميين قبل أن يلتفت إليها الآخرون.
ومن ناحية بناء الخطط التكتيكية التي تستند إلى البيانات الضخمة؛ تستطيع أنظمة الذكاء الاصطناعي محاكاة عشرات السيناريوهات التكتيكية قبل المباراة، وتقدير فرص نجاح كل خطة وفقا لخصائص المنافس، ولذلك أصبحت القرارات التكتيكية الحديثة أقل اعتمادا على الحدس وأكثر استنادا إلى التحليل العلمي والإحصائي.أما محاكاة آلاف السيناريوهات المحتملة للمباريات قبل انطلاقها؛ فانّ بعض الأنظمة المتقدمة تقوم بإجراء آلاف المحاكاة الرقمية للمباراة الواحدة، مع تغيير الظروف والاحتمالات في كل مرة، ونتيجة لذلك يحصل المدربون على تصور أوسع للخيارات الممكنة وكيفية التعامل مع مختلف المواقف التي قد تطرأ أثناء اللقاء، ولهذا لم تعد كرة القدم الحديثة مجرد مواجهة بين أحد عشر لاعبا ضد خصمهم الذي يوازيهم عددا، بل أصبحت مواجهة بين منظومات معرفية متكاملة، تشارك فيها علوم البيانات والذكاء الاصطناعي وعلم النفس الرياضي والطب الرياضي إلى جانب المهارات الفنية التقليدية.
أما عن إمكانية حدوث مفاجآت في الأدوار النهائية، فإنّ الذكاء الاصطناعي نفسه يؤكد أنّ المفاجآت جزء أصيل من اللعبة، فكلما اقتربت المنتخبات من مستويات متقاربة في الجودة، ازدادت احتمالات النتائج غير المتوقعة، ولذلك فإنّ النماذج الإحصائية الأكثر تطورا لا تقدم بطلا واحدا، بل تمنح كل فريق نسبة احتمال للفوز، اعترافا منها بأنّ المستقبل لا يخضع للحتمية الكاملة.
وربما لهذا السبب أخفقت كثير من التوقعات التي سبقت بعض البطولات الكبرى، فقد منحت الخوارزميات نسبا مرتفعة لمنتخبات عريقة ثم خرجت مبكرا، بينما تقدمت فرق لم تكن ضمن الترشيحات الأولى، وهذا لا يعني فشل الذكاء الاصطناعي، بل يؤكد أنّ الرياضة ما زالت تحتفظ بجانبها الإنساني الذي لا يمكن اختزاله بالكامل في الأرقام، فالخوف والثقة والحماس والإصرار والروح الجماعية عوامل يصعب قياسها بدقة، لكنها كثيرا ما تحسم مصير البطولات.
ويقول عالم الحاسوب والذكاء الاصطناعي كاي فو لي «الذكاء الاصطناعي بارع في التنبؤ بالأنماط، لكنه لا يستطيع التنبؤ الكامل بالسلوك البشري»؛ وهذه العبارة تصلح لوصف كرة القدم أكثر من أي مجال آخر، فالمباراة تبدأ بالأرقام وتنتهي بالمشاعر، وتبدأ بالخوارزميات وتنتهي بقرار بشري قد يغير كل التوقعات.ومن ناحية أخرى، فإنّ نتائج المنتخبات العربية الأخيرة تطرح سؤالا أعمق يتعلق بمفهوم القوة الناعمة، فالفوز في البطولات الكبرى لم يعد مجرد إنجاز رياضي، بل أصبح أداة لتشكيل الصورة الذهنية للدول والأندية أمام العالم. فالمنتخب الذي يحقق إنجازا عالميا يجذب الاستثمارات والرعايات والاهتمام الإعلامي، ويرفع من قيمة الدوري المحلي والأندية الوطنية، ويعزز مكانة الدولة في المشهد الرياضي الدولي.
ولهذا فإنّ التحدي الحقيقي أمام الكرة العربية لا يتمثل في الفوز بمباراة أو التأهل إلى دور معين، بل في بناء منظومة معرفية ورياضية قادرة على المنافسة المستدامة، فالنجاحات المؤقتة تثير الإعجاب، أما المشاريع طويلة المدى فهي التي تصنع التاريخ.