لاشك أن الحديث عن (الفرص الواعدة) للمنتج السعودي في إفريقيا هي حقيقة لا اختلاف عليها، لكن الفرصة التي لا تُترجَم إلى أرقام وأولويات وخطوات تظل شعاراً يتردد.
في هذا التقرير محاولة لتجاوز التوصيف إلى التحليل الواقعي عما تبيعه السعودية فعلاً؟ ولمن؟ وما العقبات؟ وأين تقف من المنافسين؟ ثم كيف ترسم الطريق للسنوات القادمة؟
أولاً: حجم اللعبة ومن يتصدّرها
السوق الإفريقية ليست هامشاً اقتصادياً، فبحسب مؤسسة بروكينغز تعتبر منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية سوقاً ضخمة تضمّ نحو 1.4 مليار نسمة بناتج محلي مجمّع يقارب 3.4 تريليون دولار.
وقد نمت تجارة القارة الإجمالية في 2024 بنسبة 13.9 في المئة لتبلغ 1.5 تريليون دولار وفق تقرير (أفريكسيم بنك). غير أن هذه السوق مزدحمة بالمنافسين، والمقارنة وحدها تكشف حجم الفجوة التي على المملكة ردمها:
يتفاوت حضور المنافسين في القارة أداةً وحجماً، وفهم كل تجربة شرط لمنافستها:
* الصين: هي الشريك التجاري الأول لإفريقيا، وتعود ريادتها إلى قوة اقتصادها وتنوّع قاعدتها الصناعية ودخولها المبكّر للسوق منذ عقدين ونيّف عبر منتدى التعاون الصيني - الإفريقي (فوكاك).
وبحسب مقالٍ تحليلي نشرته مجلة «تشيوشي» (Qiushi) الناطقة باسم الحزب الشيوعي الصيني نقلاً عن وكالة شينخوا (أغسطس 2025)، بلغ التبادل التجاري بين الصين وإفريقيا 295.6 مليار دولار في 2024 مسجّلاً رقماً قياسياً للعام الرابع على التوالي ومرسّخاً صدارة الصين للعام السادس عشر على التوالي.
وفي بيانٍ لوزارة التجارة الصينية (مايو 2026)، أعلنت بكين منح المعاملة الجمركية الصفرية لكامل الخطوط التعريفية، بعد أن كانت قد ألغت الرسوم على 100 % من خطوط 33 دولة إفريقية من الأقل نمواً منذ ديسمبر 2024.
* الإمارات: أكبر مستثمر جديد في القارة، فبحسب تقريرٍ لمؤسسة «أفريكا فاينانس كوربوريشن» (تقرير حالة إفريقيا 2024) تناقلته الصحافة الاقتصادية، تعهّدت الإمارات باستثمارات بلغت 110 مليارات دولار بين 2019 و2023، منها أكثر من 70 ملياراً في الطاقة المتجددة.
وتتجاوز تجارتها غير النفطية مع القارة ـ وعلى رأسها السلع الاستهلاكية وصادرات جبل علي ـ نحو 60 مليار دولار سنوياً، فيما تدير «موانئ دبي العالمية» و«موانئ أبوظبي» عشرات الموانئ الإفريقية، وهو ما يمنح منتجاتها سهولة وصولٍ إلى الأسواق الإفريقية ويتيح للتاجر الإفريقي وصولاً ميسّراً إلى أسواقها.
* الهند: صرّح وزير التجارة والصناعة الهندي بيوش غويال (أغسطس 2025) بأنّ التبادل التجاري بين الهند وإفريقيا يقارب 83 مليار دولار (نحو 42.7 مليار دولار صادرات و40 ملياراً واردات)، وأنّ الهند تستهدف مضاعفته بحلول 2030، مستندةً إلى أدويتها المتنوعة وشبكة جاليتها التجارية الممتدة في شرق القارة مع زيادة عدد بعثاتها الدبلوماسية.
* تركيا: بحسب بياناتٍ رسمية تركية نقلتها صحيفة «تركيا توداي» (Türkiye Today، 2026)، ارتفع التبادل التجاري بين تركيا وإفريقيا من 5.4 مليارات دولار في 2003 إلى نحو 36ـ40 مليار دولار، واتّسعت سفاراتها في القارة من 12 إلى 44 سفارة، فيما نفّذت شركاتها الإنشائية مشاريع بناءٍ تتجاوز قيمتها 97 مليار دولار.
في هذا المشهد تبدو الأرقام السعودية متواضعة لكنها صاعدة بقوة، فبحسب ما أعلنت عنه هيئة تنمية الصادرات السعودية أن الصادرات الوطنية غير النفطية إلى القارة الإفريقية تجاوزت 128 مليار ريال خلال خمس سنوات (2019 حتى نوفمبر 2023).
الدرس الأول واضح، المنافسون لم يسبقوها بالسلع وحدها، بل بالموانئ والسفارات والاتفاقيات والتمويل وتواجد بشري فعلي. المنافسة لا تكون على المنتج فقط، بل على البنية التي تحمله.
ثانياً: ما الذي تصدّره فعلاً؟ القطاعات الأكثر طلباً
بيانات الهيئة العامة للإحصاء وهيئة تنمية الصادرات تكشف أن الصادرات السعودية إلى إفريقيا تتركّز في عائلات من المنتجات، مرتّبة بحسب وزنها الفعلي:
أولاً - اللدائن والبتروكيماويات: تصدّرت اللدائن ومصنوعاتها والمطاط قائمة صادرات السلع إلى إفريقيا بقيمة تجاوزت 6 مليارات ريال في النصف الأول من 2024 وحده، تلتها منتجات الصناعات الكيميائية بأكثر من 2.3 مليار ريال.
وهنا تبرز (سابك) قاطرةً للتصدير، فبوليمراتها ومركّباتها هي المادة الخام لمصانع التعبئة والأنابيب والسلع الاستهلاكية في أنحاء القارة.
ثانياً – الأسمدة: نبّه مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في صندوق النقد الدولي جهاد أزعور إلى أن منطقة الخليج تورّد نحو 20 في المئة من أسمدة النيتروجين عالمياً، وأن أيّ اضطراب في إمداداتها يهدّد الأمن الغذائي في إفريقيا مباشرة. وشركة مثل (سابك للمغذيات الزراعية) تجعل اليوريا السعودية مرشّحاً طبيعياً لأسواق زراعية كنيجيريا وإثيوبيا وكينيا وزامبيا واوغندا ورواندا وتنزانيا وغانا والسنغال.
ثالثاً - مواد البناء والمعادن: هذا القطاع يتماشى مع أعمق احتياجات القارة السمراء، إذ يقدّر البنك الإفريقي للتنمية الفجوة التمويلية للبنية التحتية في إفريقيا بين 68 و108 مليارات دولار سنوياً.
والمملكة تملك فائضاً تصديرياً جاهزاً، فبحسب وزير الصناعة والثروة المعدنية بندر الخريف، تحتل المملكة المرتبة الأولى عربياً والعاشرة عالمياً في إنتاج الأسمنت بطاقة تتجاوز 80 مليون طن سنوياً عبر 20 مصنعاً، وتجاوزت صادراتها من الأسمنت والكلنكر 8.48 ملايين طن في 2023.
أما الحديد والصلب، فتقوده اليوم شركة (حديد) (المملوكة لصندوق الاستثمارات العامة بعد استحواذه عليها من (سابك) بنحو 12.5 مليار ريال) بعد دمجها مع (حديد الراجحي).
وفي الألمنيوم، تدير (معادن) أحد أكبر مجمّعات الخليج المتكاملة من البوكسيت إلى المعدن، وبحسب وزارة الصناعة بلغت صادرات المملكة من الألمنيوم نحو 283 ألف طن في 2024، أي 62.9 في المئة من إجمالي حركة تجارتها في هذا المعدن.
كل هذه السلع مطلوبة بكثافة في مشاريع الإسكان والطرق والموانئ الإفريقية، والقرب اللوجستي من موانئ جدة وجازان يمنح دول البحر الأحمر والقرن الإفريقي أفضلية واضحة.
رابعاً - الأغذية والمشروبات:
سجّل هذا القطاع أكثر من 829 مليون ريال في النصف الأول من 2024 إلى إفريقيا. وهنا تحديداً تكمن فرصة لم تُستثمر بعد، تستحق وقفة أعمق.
خامساً - المواد الغذائية والتمور.. الفرصة الأوضح والأقرب
إفريقيا جنوب الصحراء تستورد غذاءها ولا تصنعه، وهذا بالضبط ما يجعلها سوقاً مثالية للسلع الغذائية السعودية المعمّرة.
المكرونة، والمعلّبات، وزيوت الطعام، وزيت الزيتون - كزيت زيتون الجوف السعودي عالي الجودة الحائز على جوائز دولية - كلها منتجات تتمتع بصلاحية طويلة تتحمّل النقل البحري، وبطلب ثابت لا يتأثر بتقلّب المواسم.
والنماذج حيّة لا نظرية، فالصناعة الغذائية السعودية باتت متكاملة وذات علامات راسخة، في المكرونة والصلصة تبرز (الوفرة) و(العالي) و(بيرفيتو) ومكرونة (عافية) من مجموعة (صافولا)، وفي البسكويت والحلويات (حلواني إخوان) و(نبسكو) و(غندور)، وفي زيوت الطعام (عافية) و(العربي)، وفي الألبان والعصائر طويلة الأجل (المراعي) و(نادك) و(الصافي دانون).
والشركة السعودية لمنتجات الألبان والأغذية (سدافكو) (صاحبة علامة (السعودية)) تصدّر فعلاً إلى موريتانيا وجيبوتي والصومال والسودان، بينما تملك (المراعي) حضوراً راسخاً في شمال إفريقيا لكنها غائبة تماماً عن دول إفريقيا جنوب الصحراء. هذه ليست فرصاً نظرية بل قنوات قائمة قابلة للدخول ولتوسيع.
أما التمور، فهي ورقة المملكة الرابحة التي لم تُلعب بكامل قوّتها. فوفق أداة حلول التجارة العالمية المتكاملة (WITS) التابعة للبنك الدولي ومنظمة التجارة العالمية، تصدّرت السعودية العالم في قيمة صادرات التمور عام 2024 بنحو 452 مليون دولار من تصدير 351 ألف طن، متجاوزةً جميع المنافسين. والطلب على التمور في الدول الإفريقية ذات الأغلبية المسلمة - كتنزانيا ونيجيريا والسنغال وتشاد ودول الساحل الأفريقي - ضخم وموسمي يتضاعف في رمضان.
لكن المفارقة المؤلمة أن هذا المنتج السعودي غالباً لا يصل بعلم منشئه «السعودية»، فبحسب بيانات الهيئة العامة للإحصاء، استحوذت الإمارات وحدها على نحو 31 في المئة من صادرات التمور السعودية في 2024 بقيمة 460 مليون ريال، وكثيرٌ منها يُعاد تصديره عبر جبل علي، فيما تمرّ شحنات أخرى عبر موانئ عُمان، ليصل التمر السعودي إلى المستهلك الإفريقي محمّلاً باسم وسيطٍ آخر وبهامش سعري يقتطعه.
التمور السعودية تزرع في المدينة والأحساء والقصيم، وغيرها لكن العلامة والربح الإضافي يُسجَّلان في مكان آخر.
تصحيح هذا المسار - بقناة مباشرة من المصنع إلى السوق الإفريقي - هو أسرع مكسب ممكن.
سادساً - الأدوية .. حاجة صحية ملحّة وفرصة مهملة
من أوضح الفجوات التي يمكن للصناعة الدوائية السعودية ملؤها قطاع الدواء. فبحسب مؤسسة التمويل الدولية (التابعة لمجموعة البنك الدولي) ومؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد)، تستورد دول إفريقيا جنوب الصحراء أكثر من 70 في المئة من احتياجاتها الدوائية، فيما لا تُنتج القارة سوى نحو 3 في المئة من أدوية العالم رغم تحمّلها نحو ربع العبء المرضي العالمي.
(وقد شهدت هذا الاحتياج بنفسي في رواندا عام 2025 في مستشفى في كيغالي حين أخبرني الطبيب أن هناك نقص كبير في المغذي الطبي «الدريب» في رواندا وشرق الكونغو، ومن العجائب أن المغذي صناعته سهله جداً !). السوق الدوائية الإفريقية عموماً تُقدَّر بنحو 40 مليار دولار في 2022 ومرشّحة لبلوغ 77 ملياراً بحلول 2030.
المملكة، بوصفها المركز الأكبر لصناعة الدواء في الخليج، تملك شركات جاهزة لملء هذه الفجوة، (سبيماكو دوائية) التي تصدّر لأكثر من 14 دولة، و(جمجوم فارما) المتخصصة في أدوية العيون والجلدية وذات الحضور القوي أصلاً في الأسواق الإفريقية « شمال إفريقيا « والعربية، و(تبوك للأدوية) الراسخة في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، إلى جانب مصانع المستلزمات الطبية كالحقن والمحاليل.
وقد كشفت جائحة كورونا هشاشة اعتماد القارة على المورّدين الآسيويين الذين قيّدوا صادراتهم وقت الأزمة، مما دفع حكومة رواندا لإنشاء مصنع ومعمل للأمصال واللقاحات مع شركات أمريكية وأوروبية بدعم من منظمة الصحة العالمية، وهذا أيضاً يفتح الباب أمام مورّد موثوق بمعايير الهيئة العامة للغذاء والدواء السعودية.
أين تبيع؟
تصنيف الدول الإفريقية بحسب الأولوية، فليست إفريقيا سوقاً واحدة أو متشابهة، بل 54 سوقاً متباينة. وبيانات هيئة تنمية الصادرات السعودية تكشف أن المستوردين الفعليين لمنتجاتنا اليوم هم فقط مصر والجزائر والسودان وجنوب إفريقيا والمغرب.
وبناءً على القدرة الشرائية والقرب اللوجستي والعمق الديني، يمكن ترتيب الأولويات في أربع دوائر:
الدائرة الأولى: (أسواق راسخة تُعمَّق): مصر والجزائر والمغرب وجنوب إفريقيا.
أكبر اقتصادات القارة وأكثرها استيراداً للمنتج السعودي، والمطلوب تحويل الصفقات المتفرّقة إلى حضور دائم ومتزايد.
الدائرة الثانية: (أسواق القرب الاستراتيجي): السودان وجيبوتي وإريتريا والصومال وكينيا وإثيوبيا وتنزانيا وأوغندا ورواندا. دول البحر الأحمر والقرن الإفريقي وشرق إفريقيا والتي تجعلها الجغرافيا امتداداً طبيعياً لموانئنا.
الدائرة الثالثة: (أسواق النمو الواعد في غرب إفريقيا): نيجيريا والسنغال وغانا وساحل العاج وبنين « تعتبر بنين منفذ لدول الساحل الأفريقي مثل بوركينافاسو ومالي والنيجر وتشاد». فهي أسواق ضخمة سريعة النمو، أبعد لوجستياً وأكثر ازدحاماً بالمنافسين، وتتطلّب شراكة محلية.
الدائرة الرابعة: (الأسواق المغفلة عالية القيمة): وعلى رأسها جمهورية الكونغو الديمقراطية، وتحديداً غربها نحو العاصمة كينشاسا. فهذه أكبر دولة في إفريقيا جنوب الصحراء، وعاصمتها كينشاسا تجمّع حضري يقارب 17 مليون نسمة، يعتمد على الاستيراد اعتماداً شبه كامل لأن التصنيع المحلي ضعيف.
وبحسب وزارة الزراعة الأمريكية بلغت واردات الكونغو الديمقراطية الغذائية مستوى قياسياً عام 2024، في بلدٍ تموّله ثرواته المعدنية الهائلة (يقدّر مخزونه المعدني غير المستغل بنحو 24 تريليون دولار) بقوة شرائية متنامية في عاصمته رغم فقر الأطراف ( من المفارقات التي شهدتها في كينشاسا، أن الصراف الآلي يمكن أن يصرف لك الفرنك الأفريقي والدولار الأمريكي ).
الكونغو سوقٌ ضخم مستورِد بطبعه، يحتاج شريكاً يفهم طبيعته وسلوكه وقنواته وأسواقه الكبرى كالسوق المركزي في كينشاسا.
العقبات الجمركية والتنظيمية.. حيث تموت الصفقات
أكبر سوء فهم للأمر ظن البعض أن التحدي في الإنتاج، التحدي الحقيقي (خلف الحدود).
وإليك بعض الأمثلة الملموسة:
في شرق إفريقيا، رغم اتحاد شرق إفريقيا الجمركي، تواجه السلع المستوردة تعرفة خارجية مشتركة تصل إلى 35 في المئة على كثير من السلع الاستهلاكية النهائية لحماية الصناعة المحلية ( بالرغم من شبه انعدام الصناعات المحلية )، ففي تنزانيا تشترط هيئة المقاييس (TBS) شهادات مطابقة مسبقة للشحن وتسجيلاً للمنتجات الغذائية والدوائية قد يستغرق أسابيع، وفي رواندا تفرض متطلبات تغليف ووسم صارمة بلغات محلية « الكينارواندا « وإنجليزية.
في غرب إفريقيا، تشتهر نيجيريا بكونها من أصعب البيئات الجمركية: قوائم حظر استيراد متغيّرة، ورسوم مرتفعة، وقيود صرف أجنبي تعقّد تحويل العوائد، أما السنغال ودول غرب إفريقيا الفرنكوفونية فتطبّق التعرفة الخارجية المشتركة لتجمّع (إيكواس) وتشترط التعامل بالفرنسية في المعاملات والوسم. يضاف إلى ذلك فجوة تمويل التجارة في القارة التي يقدّرها (أفريكسيم بنك) بنحو 100 مليار دولار سنوياً، وصعوبة تحويل العملات، وضعف اللوجستيات الداخلية.
التاجر الذي يتجاهل هذه التحديات سيكتشف أن منتجه التنافسي سيُهزَم لا بالسعر بل بالورق والوقت والرسوم.
الحلول.. كيف نبدّد مخاوف المصدر السعودي؟
مخاوف التاجر السعودي من إفريقيا حقيقية وواقعية في كثير من الأحيان لكنها قابلة للتحييد بأدوات قائمة:
أولاً - ضمان السداد: الاعتماد المستندي عبر البنوك العالمية يضمن للمصدّر حقّه قبل أن تغادر البضاعة.
وأكثر من ذلك، تتيح الحكومة السعودية عبر بنك التصدير والاستيراد السعودي تمويل المشتري، فيدفع للمصنع السعودي مستحقاته مباشرة، ويمنح المستورد الإفريقي مهلة سداد، ويؤمّن مخاطر عدم الدفع، وبهذه الإجراءات تتبخّر المخاطرة المالية.
ثانياً - تذليل الجمارك حكومياً: عبر اتفاقيات تجارة وحماية استثمار ثنائية تخفّض الرسوم والاعتراف المتبادل بالمواصفات، وعبر مكاتب وساطة واستشارة - في الرياض لخدمة المصدّر، وفي العواصم الإفريقية لخدمة المستورد - تتولّى أوراق التسجيل والمطابقة ولدى السعودية ورقة مواليد السعودية من الجاليات الأفريقية وخريجي الجامعات السعودية الذين يمكنهم المساهمة في تأسيس وإدارة هذه المكاتب في البلدان الأفريقية فهي من جهة من أصول أفريقية تجيد التعامل بلغات البلد وثقافتها وكذلك تجيد اللغة العربية وتعرف السوق السعودية بشكل جيد ويمكن للغرف التجارية ولجان رجال الأعمال السعوديين لعب دور محوري في تكوين وتأسيس هذه المكاتب الاستشارية.
النموذج الإماراتي هنا أبلغ مثال، فقد بنت أبوظبي شبكة من (اتفاقيات الشراكة الاقتصادية الشاملة) (CEPA) بلغت نحو 27 اتفاقية، منها اتفاقات مع دول إفريقية كموريشيوس ( والتي وقعت معها أول اتفاقية افريقياً، وأصبحت نافذة منذ أبريل 2025) وكينيا والمغرب وجمهورية الكونغو وإفريقيا الوسطى وأنغولا ونيجيريا وتشاد.
هذه الاتفاقيات تلغي أو تخفّض الرسوم وتزيل الحواجز غير الجمركية وتبسّط الإجراءات، ففي اتفاق الإمارات مع الكونغو مثلاً يُلغى الرسم تدريجياً خلال خمس سنوات على نحو 99.5 في المئة من فئات الصادرات الإماراتية و98 في المئة من الصادرات الكونغولية.
وقد أسهمت هذه الاتفاقيات وحدها بنحو 135 مليار درهم في تجارة الإمارات غير النفطية مع شركائها.
هذا بالضبط ما يمكن للمملكة أن تنسجه مع دول الدوائر الأربع: شبكة اتفاقيات تحوّل الجمارك من عائق إلى داعم.
الذراع متعدد الأطراف
للمملكة العربية السعودية نفوذ مؤسسي يمكن توظيفه، فالبنك الإفريقي للتنمية يقوده اليوم الموريتاني الدكتور سيدي ولد التاه، القريب من المنظومة العربية بحكم قيادته السابقة للمصرف العربي للتنمية الاقتصادية في إفريقيا (باديا) الذي تتصدّر المملكة مساهميه ومقرّه الرياض.
هذا الجسر العربي - الإفريقي قناةٌ مثالية لتمويل مشاريع البنية التحتية التي تستهلك بدورها مواد البناء السعودية، في دائرة تغذّي نفسها.
أداة التمويل التنموي المشروط
وهي الورقة الأقوى وغير المستغلة حقيقة، فالصندوق السعودي للتنمية ليس لاعباً جديداً في الساحة الأفريقية، إذ موّل منذ تأسيسه أكثر من 400 مشروع وبرنامج في 46 دولة إفريقية بقيمة تتجاوز 10.7 مليار دولار (نحو 57 في المئة من إجمالي تمويله للدول النامية)، وتجاوز إجمالي مساهماته التنموية عالمياً 20 مليار دولار في خمسين عاماً، منها 77 مشروعاً صحياً وأنشأت 325 منشأة في 45 دولة بسعة تتجاوز 25 ألف سرير.
ومثال مستشفى الملك فيصل في كيغالي بجمهورية رواندا يجسّد الفكرة ويقرب الصورة: فقد مُوّل عبر الصندوق السعودي للتنمية، ونُفّذت فيه أول عملية زراعة كلى في تاريخ رواندا تلتها 32 عملية في عام واحد، ثم وسّعه الصندوق وحدّثه في 2023 لرفع طاقته وخدماته.
مشروعٌ كهذا يستهلك أسمنتاً وحديداً وألمنيوم ومعدّات وأجهزة طبية ومستلزمات - وكلها تنتجها مصانع سعودية.
والمطلوب أن يُربط التمويل بشرط (المنتج السعودي)، أي أن تستورد الدولة المستفيدة مواد المشروع ومعدّاته من المملكة. وهذا أسلوب تنتهجه القوى الكبرى منذ عقود (القروض الميسّرة المشروطة)، وفائدته مزدوجة، يفتح سوقاً مضمونة للمصنع السعودي ويموّل المشتري في أن واحد، فيتحوّل كل قرض تنموي إلى منفذ تجاري دائم وإلى حملة ترويج حيّة لجودة المنتج السعودي على أرض الواقع - أي جعل التمويل التنموي رافعةً للصادرات لا دعماً ميسراً فحسب.
خريطة طريق مقترحة
1 - إنشاء مكاتب وساطة مزدوجة في الرياض وعواصم الدوائر الأربع لدراسة الأنظمة والجمارك والتوزيع.
2 - توقيع اتفاقيات تجارة وحماية استثمار ثنائية أسوة بتركيا (50 اتفاقية) والإمارات.
3 - توطين حضور لوجستي على البحر الأحمر يربط المصنع بالمستورد مباشرة بدل وسطاء جبل علي وموانئ عُمان - فيُسجَّل التمر والمنتج الغذائي باسم المملكة لا باسم الوسيط.
4 - التركيز القطاعي على البتروكيماويات والأسمدة ومواد البناء والأغذية والتمور والأدوية.
5 - استثمار القوة الناعمة وعلامة (صُنع في السعودية) التي تحملها هيئة المواصفات بمعايير صارمة تصنع الثقة الفورية.
خاتمة
المملكة ليست «متأخرة» لأنها تنقصها السلعة أو الجودة أو الرصيد التنموي، بل لأنها لا تزال تبيع بمنطق الصفقة بينما يبني المنافسون بمنطق المنظومة.
الفرق بين 128 مليار ريال في خمس سنوات و296 مليار دولار صينية في عام واحد ليس فرق قدرة، بل فرق استراتيجية. وحين تتحوّل الفرص الموصوفة إلى أولويات مصنّفة - من جيبوتي إلى داكار مروراً ببريتوريا وكينشاسا وأبوجا، ومن مواد البناء والبتروكيماويات إلى المواد الغذائية مروراً بالتمور والأدوية - وأدوات تموّل وتؤمّن وتسوّق، يصبح المنتج السعودي خياراً أول لا بديلاً ثانوياً.
إفريقيا لا تنتظر من يصف احتياجاتها، بل من يصل إليها أولاً بمنظومة شاملة وباستراتيجية بعيدة تدرك أن المستقبل في إفريقيا.
** **
جبرين عيسى - الرئيس التنفيذي للمركز العربي الأفريقي للاستثمار والتسهيلات