في الرياضة الحديثة، لا تُقاس نجاحات الاتحادات بعدد القرارات التي تصدرها، ولا بعدد الأسماء التي تتعاقب على مقاعد القيادة، وإنما بقدرتها على بناء مشاريع مؤسسية مستدامة تستمر مهما تغيّرت الإدارات. فالدول التي تتصدر المشهد الكروي اليوم لم تصل إلى القمة بالمصادفة، بل لأنها آمنت بأن الاستراتيجية المحصّنة أهم من الأشخاص الذين يتداولون على تنفيذها، وأن استدامة هذه الاستراتيجيات أهم من الإنجازات المؤقتة.
ولعل من أبرز النماذج التي تستحق التوقف عندها، الاستراتيجية التي أطلقها الأستاذ محمد المسحل عام 2011، والتي لم تكن مشروعًا مرحليًا أو موسميًا، بل رؤية بعيدة المدى تستهدف إعداد منتخب وطني قادر على المنافسة والوصول إلى نهائيات كأس العالم 2022، تحت عنوان «سعودي 2022». غير أن هذه الرؤية توقفت بعد انتقاله عام 2013 لتولي منصب الأمين العام للجنة الأولمبية، حيث ألغتها إدارة الاتحاد السعودي المؤقتة لأسباب مجهولة، لتتوقف معها فرصة استكمال مشروع كان بحاجة إلى الاستمرار أكثر من حاجته إلى تغيير القائمين عليه.
وليست الغاية من استحضار هذه التجربة المحاسبة على الماضي، وإنما التأكيد على أن أكبر خسائر الرياضة ليست خسارة بطولة أو مباراة، بل خسارة مشروع وطني بسبب تغيّر الإدارات أو اختلاف القناعات.
فالمنطق يقول إننا لن نستطيع منافسة الدول المتقدمة كرويًا ورياضيًا إذا كنا نبدأ من الصفر مع كل إدارة جديدة، بل ومن دون استراتيجية صحيحة ومعلنة، بينما هم يبنون على ما أنجزه من سبقهم. ولن ننافسهم إذا كانت الاستراتيجيات تُلغى بتغيّر الأشخاص وأمزجتهم، في حين تمتلك تلك الدول خططًا وطنية محصّنة من القرارات الارتجالية والتغييرات المزاجية.
ولن نصل إلى المكانة التي نطمح إليها إذا كانت المناصب القيادية تُمنح بدافع العلاقات الشخصية أو المجاملات، بينما تعتمد الدول المتقدمة على الكفاءة والخبرة والتخصص باعتبارها المعيار الأول للاختيار.
كما أن النجاح لا يتحقق في غياب مؤشرات الأداء، وآليات الحوكمة، وخطط التنفيذ المرحلية، والمحاسبة الدورية. فلا يمكن تقييم الإنجاز دون مستهدفات معلنة، ولا تصحيح المسار دون مؤشرات قياس واضحة.
إن بناء كرة قدم قادرة على المنافسة عالميًا ليس إنشاء مبنى خرساني، ولا صناعة منتج معلب، بل هو استثمار في الإنسان منذ سنواته الأولى؛ ولذلك فهو مشروع لا يتحقق بالشعارات، ولا بردود الأفعال، ولا بالحلول المؤقتة، وإنما برؤية وطنية طويلة المدى، ومؤسسات مستقرة، واستراتيجيات تستمر بغض النظر عن تغيّر الإدارات أو الأشخاص.
ومع اقتراب مرحلة انتخاب رئيس جديد للاتحاد السعودي لكرة القدم خلفًا لأبي سلمان، ستزداد الترشيحات، وستتصاعد حملات التأييد، وسيحاول كل طرف تسويق مرشحه انطلاقًا من علاقاته أو قناعاته أو مصالحه، وربما تطغى العاطفة على الموضوعية، وتغيب معايير الكفاءة وسط ضجيج الأسماء.
لكن السؤال الذي ينبغي أن يطرحه الوسط الرياضي ليس: من سيكون الرئيس؟ بل: ما المشروع الذي يحمله؟ وكيف سينفذه؟ ومن سيحمي استمراريته؟ فالرئيس القادم لا يحتاج إلى برنامج انتخابي جميل فحسب، بل إلى رؤية واضحة، وخبرة إدارية ورياضية حقيقية، واستراتيجية قابلة للتنفيذ، وأهداف محددة بزمن، ومؤشرات أداء قابلة للقياس، وآليات حوكمة ومحاسبة، وفريق عمل متخصص قادر على تحويل الطموحات إلى نتائج، إلى جانب سيرة حسنة، وشخصية متزنة، ورصينة.ولا يقل أهمية عن اختيار الرئيس أن يُمنح كامل الصلاحيات، والثقة، والاستقرار، والدعم المؤسسي، لأن أي مشروع استراتيجي لن يحقق أهدافه إذا ظل رهينة التدخلات، أو تغيّر القناعات، أو تبدّل الإدارات قبل اكتمال دورته الطبيعية. فالمشاريع الكبرى تحتاج إلى الاستمرارية بقدر حاجتها إلى الكفاءات.
إن مستقبل الكرة السعودية لن يصنعه اسم لامع، ولا شعبية مؤقتة، ولا توافقات آنية، وإنما يصنعه مشروع وطني واضح، يقوده أشخاص مؤهلون، وتحميه الحوكمة، وتدعمه الاستمرارية.
فالمناصب القيادية لا تُمنح بالمجاملات، ولا تُحسم بالصداقات، ولا تُقاس بالشعبية، وإنما تُستحق بالكفاءة، والإنجاز، والرؤية، والقدرة على صناعة مستقبل يليق بكرة القدم السعودية، ويواكب طموحات الوطن، ويضع حدًا لحالة الغضب الموسمي للرأي العام التي اعتدنا مشاهدتها عقب كل بطولة كروية أو دورة أولمبية.
** **
- صالح القبلان
X: @1388hh