هاري سانت جون بريدجر فيلبي، الذي عُرف بعد إسلامه باسم (الحاج عبد الله فيلبي)، من أبرز الرحالة الغربيين الذين وثّقوا تاريخ وسط الجزيرة العربية في مطلع القرن العشرين. وُلد عام 1302هـ/ 1885م في سيلان (سريلانكا حاليًا)، حيث كان والده يعمل في التجارة، وينتمي إلى أسرة إنجليزية مسيحية. ثم عاد إلى بريطانيا، حيث أكمل تعليمه، قبل أن يلتحق بالخدمة المدنية في حكومة الهند البريطانية. وخلال فترة إعداده للعمل تعلّم اللغتين الفارسية والهندية، ثم أتقن اللغة العربية أثناء وجوده في الهند، مما أهّله للانضمام إلى بعثة متجهة إلى البلاد العربية عام 1336هـ/ 1917م.
زار فيلبي خلال رحلاته عددًا من مناطق الجزيرة العربية، ومن بينها الخرج، حيث رسم خريطة توضيحية لأبرز بلداتها، والجبال، والأودية التي تمر بها. وقد بدأت رحلته إلى المنطقة في 25 رجب 1336هـ الموافق 6 مايو 1918م، وتُعد هذه الرحلة أول زيارة لرجل غربي إلى تلك الأقاليم. وينقل فيلبي عن الملك عبد العزيز قوله: «ستشرع في رحلتك للجنوب؛ فهي الزيارة الأولى من نوعها لرجل غربي لتلك الأقاليم».
وصل فيلبي إلى بلدة اليمامة من جهتها الشمالية الغربية، حيث لاحظ كثبان الرمال والقبور المتفرقة، كما لفت انتباهه ما أصاب البلدة من خراب عبر السنين، وهو ما عدّه دليلًا على تعاقب حضارات واستقرار سكاني في المنطقة منذ عصور سابقة.
يذكر فيلبي أن مساحة بلدة اليمامة كانت تقارب ميلًا وربعًا (نحو 3.24 كم²)، وأنها كانت تتكون من أربع قرى صغيرة تتوسط الواحة. ويصف دخوله إليها بقوله: «قادنا الطريق من هذا الموقع من خلال فرجة من سياج الشجيرات الخارجية إلى منطقة خالية من الزراعة تقع بها إحدى القرى الصغيرة الأربع التي تكوّن البلدة، وبعد ذلك التفّت القرى الثلاث الأخرى حولها على شكل نصف دائرة في ظلال النخيل. مرّ طريقنا خلال القرى بالتتابع حتى بلغنا آخرها، وهي ليست بعيدة عن الطرف الغربي للواحة، ويسكنها فقط الأمير وأقرباؤه. أنخنا مطايانا لتحية الأمير ابن فواز (محمد بن عتيق الفواز)، الذي بعث لنا ابنه الشيخ عبد الله لاستقبالنا، واستضافنا راجيًا قبول عذره إذ حبسه المرض عن مباشرة ذلك بنفسه».
كما وصف فيلبي الحيوانات التي شاهدها في اليمامة، ولاحظ أنها بدت هزيلة وضعيفة بسبب قلة المراعي، إلا أنها كانت تؤدي دورًا مهمًا في حياة الأهالي؛ إذ لم تقتصر فائدتها على توفير اللبن، بل استُخدمت أيضًا في الأعمال الزراعية اليومية. وشاهد مجموعات من الحيوانات تدوس الحبوب بعد حصادها، في حين كانت مجموعات أخرى تسحب المياه من الآبار التي يتراوح عمقها بين سبعة وتسعة أمتار، وهي المصدر الرئيس لري بساتين النخيل الكثيفة التي اشتهرت بها البلدة.
وأشار فيلبي إلى أن أهم المحاصيل الزراعية في اليمامة كانت القطن، والعصفر، والباذنجان، والبقوليات، والتين، والرمان، والعنب، إلى جانب القمح والشعير وبعض أنواع الحبوب التي تُزرع في أطراف البلدة. كما لاحظ أن موسم حصاد الحبوب في اليمامة ومناطق الخرج كان متقدمًا مقارنة بمدينة الرياض؛ إذ كانت المحاصيل في اليمامة قد جُمعت في مواقع الدوس، بينما كان الحصاد لا يزال جاريًا في الرياض.
يذكر فيلبي أن كل قرية من القرى الأربع كانت محاطة بسور، وأن عدد سكانها، مع سكان البيوت الريفية المنتشرة بين بساتين النخيل، بلغ نحو ألفي نسمة، ينتمون إلى قبائل وأسر ما تزال معروفة في البلدة حتى اليوم. كما أشار إلى أن سكان اليمامة، إلى جانب أراضيهم داخل البلدة، كانوا يمتلكون ويزرعون أراضي زراعية في منطقتي الهياثم والمنيصف الواقعتين جنوب وادي نساح.
واختتم فيلبي زيارته لبلدة اليمامة بالتقاط صورة فوتوغرافية تُعد، بحسب ما وصل إلينا، أول صورة معروفة للبلدة، خاصة أن رحلته كانت أول زيارة موثقة لرجل غربي إلى المنطقة.
تُعد مشاهدات فيلبي ووصفه وصوره من المصادر التاريخية المهمة لتوثيق تاريخ بلدة اليمامة في تلك المرحلة، ولا سيما أنها تمثل فترة قلّت فيها المصادر المكتوبة عن المنطقة. ولذلك فإن هذه المادة تستحق مزيدًا من الدراسة والتحقيق، لما تحمله من قيمة تاريخية تسهم في التعرف على حياة الآباء والأجداد، واستحضار ما بذلوه من جهد في سبيل العيش، مع استشعار ما تنعم به بلادنا المملكة العربية السعودية اليوم من أمنٍ ورخاء واستقرار.
** **
- د. عبدالله بن راشد الرويس