في يوم جمعهم الوفاءُ قبل أن يجمعهم المكان، احتشد عددٌ من طلاب وأصدقاء ومحبي الأستاذ الدكتور غيثان بن علي بن جريس في احتفالية استثنائية أقاموها وفاءً لعالمٍ أمضى خمسين عاماً من العطاء العلمي والثقافي المتواصل في كتابة التاريخ عموماً ويحفر في ذاكرة تهامة والسراة ليخرج للأجيال القادمة تاريخ هذه المنطقة العريقة من بلادنا الغالية، ويحفظ لها مكانتها في ذاكرة الأجيال.
ففي يوم السبت الخامس من محرم 1448هـ، الموافق العشرين من يونيو 2026م، موعد الاحتفاء بهذا الرمز فضاءً من المحبة والتقدير لم يُعهد مثله إلا في لحظات الوفاء النادرة. وقف الجميع ليشهدوا بأن الدكتور غيثان لم يكن باحثاً يكتب للرفوف، بل كان -ولا يزال- قلماً يحفظ تاريخ منطقة ويوثق ملامحه وهويته.
نبذة عن الضيف المكرم المسيرة العلمية
تبدأ القصة من أبها، حيث التحق بكلية التربية - فرع جامعة الملك سعود - عام 1396هـ، لينال منها البكالوريوس عام 1400هـ/ 1980م.
ثم حمل حقيبته إلى مدينة بلمنجتون الأمريكية التي حصل وتحديداً جامعة إنديانا مطلع 1405هـ/ 1984م وأتم فيها درجة الماجستير وعاد مُحاضِراً إلى مدينة أبها، ثم انطلق مجدّداً ليتم مسيرته العلمية بالحصول على درجة الدكتوراه من قسم الدراسات الشرقية بجامعة مانشستر البريطانية، عام 1409هـ/ 1989م.
عاد إلى كلية التربية بأبها ليعمل أستاذا مساعداً بقسم التاريخ في الكلية ، وفي أواخر عـام 1410هـ (1990م) أصبح رئيساً لقسم التاريخ في الكلية واستمر في هذا المنصب حتى عام 1423هـ/ 2002م ، وقد ترقى إلى درجة أستاذ مشارك في أوائل عام 1414هـ ، ثم ترقى إلى درجة أستاذ متميز في 20/1/1418هـ . ويعد أول من حصل على درجة الأستاذية من خريجي فرعي جامعة الملك سعود والإمام محمد بن سعود الإسلامية بأبها (جامعة الملك خالد حالياً).
فعاليات الاحتفالية
افتُتحت الاحتفالية بآيات من الذكر الحكيم ثم ألقى د. غرمان الشهري رئيس قسم التاريخ بجامعة الملك خالد كلمة بهذه المناسبة، ثم تتابعت الكلمات المُعبِّرة التي ألقاها نخبة من أصدقاء وزملاء وطلاب د. غيثان، ألقوا كلماتهم وهم يستحضرون لحظات من مسيرة المؤرّخ وأثره في نفوسهم. وقد تضمّنت الكلمات شهاداتٍ شخصية وإضاءاتٍ تاريخية، كشفت عن عمق ما تركه الدكتور غيثان من أثر ممتد في أجيال من الطلاب والباحثين، وأظهر المتحدثون مدى الامتنان والتقدير الذي يكنونه للدكتور غيثان.
بعض من إنجازات د غيثان بن جريس في نصف قرن
ع الإنجاز -
1 خمسون عاماً من العطاء المتواصل -
2 100 كتاب مؤلَّف -
3 33 جزءاً من سلسلة كتاب القول المكتوب في تاريخ الجنوب -
4 إنشاء موقع يُتيح جميع أبحاث ومؤلفات د. غيثان للباحثين مجاناً - https://prof-ghithan.com/
عدد الزيارات:500 ألف زيارة
5 الحصول على درع رائد مؤرّخي الجزيرة العربية 2025م -
6 قرابة خمسين بحثاً أكاديمياً منشوراً في دوريات متخصصة -
7 إنشاء قناة على منصة اليوتيوب يُنشر فيها لقاءات ومحاضرات د. غيثان - https://2u.pw/QvVlkO
سلسلة القول المكتوب في تاريخ الجنوب
لعلنا نعرج هنا وفي عجالة يسيرة على منجز من أهم منجزات مسيرة د. غيثان بن جريس العلمية وهي سلسلة (القول المكتوب في تاريخ الجنوب) حيث تُعدّ هذه السلسلة العلمية الضخمة من أبرز ما أنجز د. غيثان ، إذ بلغت ثلاثةً وثلاثين جزءاً حتى الآن، وهي علاوةً على اهتمامها بتاريخ المنطقة الجنوبية، فهي تُعنى كذلك بالتاريخ الوطني عموماً للمملكة العربية السعودية، وتصدر وفق منهجية علمية رصينة، وقد غدت مرجعاً لا غنى عنه لكل من يُعنى بتاريخ المنطقة في الأوساط الأكاديمية.
بعد ذلك ألقى الضيف المكرم د غيثان بن جريس كلمةً شكر فيها كل من ساعد في إقامة هذا الحفل وكل حضّر وأسهم في هذا الاحتفال أو حضره، معرباً عن امتنانه العميق لهذا الوفاء الذي يفوق في قيمته كل تكريم.
شاهدٌ من التاريخ: حوار الجزيرة وذاكرة المؤرّخ
لعل من المناسب في هذه المناسبة أن نستذكر حواراً أجرته جريدة الجزيرة مع الضيف الدكتور غيثان في الثامن عشر من ذي القعدة عام 1414هـ، وكان حواراً مطوّلاً في ثلاثة أجزاء، كشف فيه عن حصيلة علمية بلغت نحو خمسين بحثاً وخمسة كتب(في حينها)، تمحورت حول تاريخ الجنوب السعودي والحضارة الإسلامية وقضايا الاستشراق، وفي الجزء الثاني ناقش أثر الحضارة الإسلامية في الغرب مستنداً إلى عوامل التسامح والاندماج الحضاري في مقابل تخلّف أوروبا في عصورها الوسطى، مع إقراره بمحورية الحروب الصليبية والأندلس وحركة الترجمة في هذا التأثير. أما الجزء الثالث فتوقّف فيه عند نادي أبها الأدبي، مُشيداً بدور الأمير خالد الفيصل والأمير فيصل بن فهد رحمه الله، ومطالباً بتعزيز التعاون بين الأندية الأدبية والجامعات، وهي دعوة لم تفقد فعاليتها حتى اليوم.
خاتمة
خمسون عاماً من الكتابة ليست مجرّد رقم، بل هي اختيار يومي متجدّد في مواجهة الإغراء الدائم بالراحة والتوقّف. والدكتور غيثان بن جريس وهو في هذه المرحلة من مسيرته يبدو أكثر إصراراً من أي وقت مضى على المضيّ في المشروع ذاته الذي بدأه طالباً شاباً بأبها: أن يصون ذاكرة التاريخ عموماً والمنطقة الجنوبية خصوصاً ، وأن يضعها بين يدي الأجيال القادمة بأمانة وسخاء نادرَين.
كان الاحتفاء بمؤرّخنا تذكيراً بأن أبلغ صور التكريم تلك التي تأتي محبةً وامتناناً، حين يرى أولئك المحبون أن يقولوا شكراً لهذه الشخصية العلمية قبل أن يفوت الأوان.
** **
محمد أحمد الشهري - باحث تاريخي