د. ياسين علي محمد عزي
لم يكن من المصادفة أن تضع المملكة العربية السعودية الإنسان في قلب مشروعها الوطني الكبير؛ فالدول التي تخطط لمستقبلها لا تنظر إلى التعليم بوصفه قطاعًا خدميًا عابرًا، ولا بوصفه مسارًا ينتهي بشهادة، بل بوصفه الاستثمار الأعمق في صناعة الإنسان القادر على حمل التنمية، والمشاركة في بناء الاقتصاد، وتمثيل وطنه معرفةً، ومهارةً، وقيمة.ومن هنا، لم يعد السؤال في التعليم الجامعي سؤالًا عن القاعات والمناهج والخطط الدراسية فقط، على أهمية ذلك كله، بل أصبح سؤالًا أوسع وأكثر عمقًا: كيف نجعل الجامعة رحلة بناء متكاملة، يشعر فيها الطالب أنه لا يعبر سنواته الجامعية وحيدًا، بل يجد من يرشده، ويفتح له الطريق، ويساعده على اكتشاف ذاته وتخصصه ومستقبله؟ فالطالب حين يدخل الجامعة لا يحمل معه رقمًا جامعيًا فقط، بل يحمل أحلام أسرته، وقلق البدايات، وأسئلة العمر الأولى عن القدرة والاختيار والمستقبل.
يدخل وهو يظن أحيانًا أن الجامعة مجرد قاعة ومقرر واختبار، ثم يكتشف مع الوقت أنها عالم كامل يحتاج إلى من يدلّه على مفاتيحه. وهنا يتجلى معنى الإرشاد الأكاديمي، لا بوصفه إجراءً تنظيميًا محدودًا، بل بوصفه وعدًا مؤسسيًا بأن الطالب سيجد داخل الجامعة من يراه مشروع إنسان، لا مجرد اسم في كشف الحضور.
لقد تطور التعليم العالي في العالم تطورًا كبيرًا. لم تعد الجامعة الحديثة مكانًا لنقل المعرفة فقط، بل أصبحت فضاءً لصناعة المهارات، وبناء الشخصية، وتنمية التفكير، وتعزيز القدرة على التكيف مع التحولات الرقمية والذكاء الاصطناعي وسوق العمل المتغير. ولذلك فإن جودة الجامعة اليوم لا تُقاس بما تمنحه من شهادات فقط، بل بما تصنعه في طلابها من وعي، وثقة، وكفاءة، وقدرة على التعلم المستمر.
وفي هذا السياق، تبرز منظومة الإرشاد الأكاديمي باعتبارها واحدة من أهم المساحات التي يمكن من خلالها أن تترجم الجامعة رسالتها الإنسانية والوطنية. فالمرشد الأكاديمي ليس موظفًا يجيب عن سؤال التسجيل والحذف والإضافة فحسب، بل هو عين الجامعة القريبة من الطالب، وصوتها الهادئ في لحظات الحيرة، وذاكرتها التي تساعد الطالب على أن يرى الطريق قبل أن يبدأ رحلته.
وقد علّمتني تجربة تقارب عشرين عامًا في العمل الأكاديمي أن الطالب لا يحتاج دائمًا إلى حلول كبيرة بقدر ما يحتاج إلى من يختصر له الحيرة، ويترجم له النظام بلغة واضحة، ويفتح أمامه أفق الاختيار قبل أن تضيق عليه المسارات.
إن الطالب لا يحتاج فقط إلى من يقول له ماذا يسجل، بل يحتاج إلى من يساعده على فهم المقررات التي تناسب خطته ومساره، ولماذا يختارها، وكيف يخطط، ومتى يراجع اختياراته، وما المهارات التي ينبغي أن يكتسبها مبكرًا، وكيف يربط تخصصه بسوق العمل، وكيف يحوّل سنوات الجامعة من عبور زمني إلى بناء حقيقي لشخصيته ومستقبله.
قبل سنوات، وفي ملتقى «منار» للإرشاد الأكاديمي بجامعة جازان، طُرحت مبادرة «دلني» لتطوير منظومة الإرشاد الجامعي، وكانت فكرتها الرئيسة أن الإرشاد لا ينبغي أن يظل محصورًا في جانبه الأكاديمي المباشر، بل يتسع ليصبح منظومة شاملة تجمع بين الإرشاد الأكاديمي، والنفسي، والمهني، مستفيدة من التقنية، وقواعد البيانات، وقياس رضا الطالب، ومتابعة أثر الخدمة، وربط الإرشاد بجاهزية الطالب للتحصيل العلمي وسوق العمل.
ولعل قيمة هذه المبادرة لم تكن في بعدها التقني وحده، بل في الفلسفة التي تقف خلفها؛ فاسم «دلني» يحمل معنى أعمق من مجرد خدمة جامعية. إنه يقول للطالب: لست وحدك. هناك من يسمع، ومن يوجه، ومن يساعدك على أن تفهم الطريق قبل أن تتعثر فيه.
لقد كانت المبادرة تقوم على تصور شمولي يرى أن الطالب قد يحتاج في رحلته الجامعية إلى دعم أكاديمي حين يتعثر، وإلى دعم نفسي حين تضيق عليه ظروف الدراسة والحياة، وإلى دعم مهني حين يبدأ في التفكير في المستقبل والعمل. وهذه الأبعاد الثلاثة ليست منفصلة في واقع الطالب، بل متداخلة؛ فالطالب المتعثر أكاديميًا قد يكون قلقًا نفسيًا، والطالب المتردد مهنيًا قد يحتاج إلى من يساعده على فهم ذاته وقدراته قبل اختيار مساره.
ومن الجوانب اللافتة في التصور الذي قدمته المبادرة أيضًا فكرة «الإرشاد بالأقران»، من خلال إشراك الطالب المتميز في مساعدة زملائه، بما يحول البيئة الجامعية إلى مجتمع تعلم متبادل. فالطالب أحيانًا يسمع من زميله ما لا يسمعه من أستاذه، ويجد في تجربة من سبقه في المقرر أو التخصص ما يختصر عليه كثيرًا من الحيرة. وهذه الفكرة تمنح الطالب دورًا أكبر داخل الجامعة، فلا يبقى متلقيًا للخدمة فقط، بل يصبح شريكًا في صناعة بيئة التعليم.
وفي هذا كله، لا يمكن فصل الإرشاد الأكاديمي عن دور عضو هيئة التدريس. فالأستاذ الجامعي هو الأقرب إلى الطالب علميًا ومعرفيًا، وهو الأقدر على ترجمة المعرفة المتخصصة إلى لغة يفهمها الطالب، والأقدر كذلك على ربط النظرية بالتطبيق، والمقرر بسوق العمل، والدرس بالحياة. ولذلك فإن مسؤوليته لا تقف عند شرح المحاضرة أو تصحيح الاختبار، بل تمتد إلى بناء وعي الطالب بذاته وتخصصه ومهاراته.
فالجامعة التي تجعل عضو هيئة التدريس قريبًا من طلابه، والمرشد الأكاديمي فاعلًا في توجيههم، والطالب شريكًا في تطوير تجربته، هي جامعة لا تكتفي بإدارة التعليم، بل تصنع ثقافة تعليمية حيّة.
وفي هذا المعنى تحضر تجربة الأستاذ الدكتور حسن بن عبدالله إسحاق في كتابه «مذكرات عميد القلوب» بوصفها شاهدًا إنسانيًا عميقًا على معنى المسؤولية داخل الجامعة. فالكتاب لا يقدم القرار الجامعي بوصفه إجراءً جافًا، بل بوصفه لحظة يلتقي فيها النظام بالإنسان، وتُختبر فيها الحكمة قبل الصلاحية. وقد عبّر المؤلف عن هذا المعنى حين أشار إلى أن القرار الجيد ليس ما يرضي اللحظة، بل ما يمكن الدفاع عنه أمام النظام والمجتمع والضمير.
هذه العبارة لا تخص عمادة القبول والتسجيل وحدها، بل تمتد إلى كل موقع داخل الجامعة. فكل قرار أكاديمي، وكل إرشاد، وكل توجيه، وكل خطة دراسية، وكل كلمة تقال لطالب في لحظة حيرة، يمكن أن تترك أثرًا في مساره وثقته ونظرته للمؤسسة التي ينتمي إليها.
واللافت في تجربة الدكتور حسن أنها لم تنته بانتهاء المنصب. فقد عرفه الطلاب مسؤولًا قريبًا من همومهم، ثم ظل بعد تقاعده الرسمي حاضرًا عبر منصاته الشخصية، يقدم المشورة الأكاديمية للطلاب والطالبات تطوعًا. وهذه صورة جميلة للمسؤولية الجامعية حين تتحول من مهمة مرتبطة بالكرسي إلى خلق مرتبط بالإنسان.
فبعض الناس يغادرون المنصب، لكن المنصب لا يغادر ضميرهم. وبعضهم لا يتعامل مع الطالب بوصفه حالة عابرة، بل بوصفه أمانة معرفية وإنسانية تستحق أن تظل حاضرة حتى بعد انتهاء التكليف الرسمي.
وهنا يلتقي معنى الإرشاد الأكاديمي مع المعنى الأوسع للتعليم الجامعي: كلاهما يقوم على الدلالة. أن تدل الطالب على نفسه، وعلى تخصصه، وعلى خياراته، وعلى الطريق الذي يجعله أكثر قدرة على خدمة وطنه. فالجامعة لا تعلّم الطالب المعرفة فقط، بل تعلّمه كيف يرى مستقبله، وكيف يتحمل مسؤوليته، وكيف ينتقل من مرحلة التلقي إلى مرحلة الفعل.
إن سوق العمل اليوم لا ينتظر حامل شهادة فحسب، بل ينتظر خريجًا قادرًا على التفكير، والتواصل، وحل المشكلات، والعمل ضمن فريق، والتعامل مع التقنية، والتكيف مع التحولات المتسارعة. وهذه الجاهزية لا تُبنى في الفصل الأخير، ولا تُستدرك بدورة قصيرة بعد التخرج، بل تبدأ منذ الأيام الأولى للطالب في الجامعة، حين يجد من يفتح له الوعي مبكرًا، ويجعله يفهم أن الشهادة بداية لا نهاية.
ولهذا فإن الاستثمار في الإرشاد الأكاديمي هو استثمار في جودة المخرجات، وفي ثقة الطالب بجامعته، وفي قدرة الجامعة على تحويل سنوات الدراسة إلى تجربة نضج حقيقية. فالطالب الذي يجد من يرشده، ويصغي إليه، ويكشف له فرصه، ويعينه على تجاوز تعثره، سيغادر الجامعة وهو أكثر وعيًا بذاته، وأكثر قربًا من تخصصه، وأكثر استعدادًا للمشاركة في التنمية.
ومن المهم هنا أن ننظر إلى الإرشاد الأكاديمي بوصفه مشروعًا تكامليًا، لا مسؤولية فردية محدودة. فهو يحتاج إلى إدارة تؤمن به، وأقسام تفعّله، وأعضاء هيئة تدريس يمارسونه بروح مسؤولة، وأنظمة تقنية تدعمه، وبيانات تقيس أثره، وثقافة جامعية تجعل الطالب حاضرًا في قلب التجربة التعليمية.
إن رؤية المملكة 2030 بما تحمله من طموح وطني كبير جعلت جودة الحياة، وتنمية القدرات البشرية، والمواءمة مع سوق العمل، وبناء الإنسان، عناوين رئيسة في مسار التحول. والجامعة، وهي إحدى أهم حواضن بناء الإنسان، تستطيع أن تجعل من الإرشاد الأكاديمي أحد جسورها الكبرى نحو تحقيق هذه الغايات؛ لأنه يمس الطالب في لحظة التكوين، لا بعد أن تكتمل النتائج.
فالطالب حين يُرشد جيدًا لا يختصر طريقه فقط، بل يختصر الوقت والجهد، ويمنح سوق العمل خريجًا أكثر وضوحًا وثقة واستعدادًا. وحين تتحول الجامعة إلى بيئة دالّة، لا مجرد بيئة مانحة للشهادة، فإنها ترفع قيمة التعليم نفسه من كونه انتقالًا بين المقررات إلى كونه صناعة للإنسان. ولعل أعظم ما يمكن أن تقدمه الجامعة لطالبها ليس أن تجيب عن كل أسئلته، بل أن تمنحه القدرة على طرح الأسئلة الصحيحة: من أنا داخل هذا التخصص؟ ماذا أريد أن أكون؟ ما المهارات التي تنقصني؟ كيف أخدم وطني من خلال معرفتي؟ وكيف أجعل شهادتي بداية لمسؤولية لا نهاية لرحلة دراسية؟
عندها فقط يصبح الإرشاد الأكاديمي أكثر من خدمة، يصبح لغة ثقة بين الطالب وجامعته. ويصبح المرشد الأكاديمي أكثر من اسم في النظام. يصبح شريكًا في صناعة الطريق. وتصبح الجامعة أكثر من مؤسسة تعليمية. تصبح بيتًا واسعًا لا يعلّم الطالب فقط، بل يدلّه.
فالجامعة لا تمنح المعرفة وحدها، ولا تخرّج الأسماء في قوائم نهاية العام فحسب.
إنها، في معناها الأجمل، تدل الإنسان على الطريق الذي يليق به وبوطنه.
وتلك هي رسالة التعليم حين يصبح بناءً للإنسان، ووفاءً للوطن، واستثمارًا في المستقبل.
** **
- أكاديمي وكاتب سعودي.