حذامي محجوب
هناك أوطان لا نولد فيها، لكنها تولد فينا.
ندخلها مرة، فإذا بها تقيم في القلب إلى الأبد. نغادرها بأجسادنا، لكنها تظل تسافر معنا في أرواحنا، في ذاكرتنا، في رائحة أرضها وطبيعتها، وفي أغنية قديمة، وفي لون بحر يذكرنا بها، وفي ياسمينة نراها صدفة فتعيد إلينا سنوات بكاملها.
هكذا كانت ولا تزال تونس بالنسبة إلى كثير من الأشقاء السعوديين.
لم تكن مجرد بلد أقاموا فيه، ولا محطة عمل عابرة، ولا عنوانا في جواز سفر.
كانت شيئا أعمق من ذلك بكثير. كانت مدينة كبيرة اسمها الحنين، ونافذة مشرعة على الجمال العربي، وقطعة جميلة من الروح استقرت في الوجدان حتى أصبحت جزءا من السيرة الشخصية لمن عرفها وأحبها.
فالعلاقات بين الدول ليست كلها اتفاقيات توقع، ولا بيانات مشتركة تصدر، ولا صورا تلتقط في المناسبات الرسمية.
هناك نوع آخر من العلاقات تصنعه الأرواح قبل أن تصنعه المؤسسات، وتكتبه القلوب قبل أن تكتبه السياسة أو الدبلوماسية.
إنها تلك الروابط الإنسانية العميقة التي تجعل إنسانا يأتي من أرض مباركة، من أقصى الجزيرة العربية، ثم يجد نفسه بعد سنوات يتحدث عن تونس كما يتحدث عن بيته الأول.
لقد امتلكت تونس دائما قدرة استثنائية على التسلل إلى القلوب.
في مدنها العتيقة، حيث يمتزج عبق التاريخ بملوحة البحر، في جوامعها وأسوارها التي تقول بمجد بلاد، في مقاهيها التي كانت ولا تزال ملتقى للفكر والشعر والفن، وفي ناسها الذين يفتحون أبواب بيوتهم وقلوبهم بالقدر نفسه، وجد كثير من السعوديين وطنا صغيرا آخر، يشبههم ويحتضنهم ويمنحهم شعورا نادرا بالألفة.
ولعل الشاعر الكبير طاهر الزمخشري، أو «بابا طاهر» كما يحلو للبعض أن يسميه، كان من أكثر الذين وقعوا في حب الخضراء.
لم تكن تونس بالنسبة إليه مكانا للإقامة، بل كانت حالة شعرية كاملة. فيها أنصت إلى نبض الحياة، وفيها كتب أجمل قصائده، ومنها صدر ديوانه الرائع «الخضراء»، الذي بدا وكأنه رسالة عشق طويلة إلى بلد لم يستطع أن يبقى بالنسبة إليه مجرد مكان إقامة.
فالشاعر لا يضع اسم وطن على غلاف ديوانه إلا إذا أصبح ذلك الوطن جزءا من قصيدته الكبرى.
وعلى الخطى نفسها سار يوسف السيف، الذي أمضى نحو ثلاثين عاما مندوبا دائما للمملكة لدى المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم. ثلاثة عقود تكفي لأن تتحول المدن إلى ذكريات، والوجوه إلى عائلة، والأماكن إلى جزء من التكوين الإنساني.
ولذلك لم يكن غريبا أن تحمل قصائده كل ذلك الدفء الذي لا تمنحه إلا الأمكنة التي أحببناها بصدق.
ومن أوائل السعوديين الذين ارتبطت أسماؤهم بتونس الدكتور محمد البارود الماجد الدوسري، الذي عاش فيها عقودا طويلة حتى غدا واحدا من وجوهها الثقافية المألوفة.
كان أشبه بسفير غير رسمي للمحبة السعودية في تونس، وصديقا وفيا للمثقفين والإعلاميين، وجسرا إنسانيا متينا بين النخب في البلدين، حتى استحق عن جدارة لقب «شيخ السعوديين في تونس».
وفي الفن أيضًا، كان للحب عنوان.
فقد اختار الفنان والمنتج لطفي زيني مدينة سوسة لتكون مقرا لمشروعه الفني الكبير، وحلم بأن يجعلها فضاء للإبداع العربي المشترك.
وهناك، كانت الأمسيات تمتد حتى ساعات متأخرة من الليل، يلتقي فيها الشعر بالموسيقى، والكلمة بالنغم، والحلم بالحلم. وكانت تونس تفتح ذراعيها لفنانين سعوديين كبار، وفي مقدمتهم الراحل طلال مداح، الذي وجد في تونس الخضراء جمهورا يعرف كيف يحب الفن، وكيف يرد المحبة بالمحبة.
وفي عالم الدبلوماسية، ترك سفراء المملكة في تونس أثرا إنسانيا لا يقل أهمية عن إنجازاتهم الرسمية.
فمن السفير عبد الرحمن البسام، أول سفير للمملكة في تونس، إلى عباس غزاوي وبكر بن عبد الله بكر وعلي القفيدي وإبراهيم سعد البراهيم والدكتور عبد العزيز الصقر، أدرك كل هؤلاء أن العلاقات الحقيقية بين الدول لا تبنى فقط في قاعات الاجتماعات، بل تبنى أيضا في الثقة، وفي الصداقات، وفي احترام الإنسان لأخيه الإنسان.
ولأن تونس كانت لعقود بيتا للعديد من المؤسسات العربية للعمل المشترك، فقد احتضنت كذلك كفاءات سعودية تركت ولا تزال بصماتها في العمل العربي، ومن بينها أحمد بن محمد السالم والدكتور محمد كومان وغيرهما من المسؤولين والأكاديميين والملاحق الثقافيين والإعلاميين الذين لم يكتفوا بأداء مهامهم، بل نسجوا مع تونس علاقة وجدانية عميقة.
وفي الاقتصاد، تحولت المحبة إلى مشاريع تنبض بالحياة. ويكفي أن يذكر اسم رجل الأعمال صالح كامل حتى تستحضر الذاكرة مشروع تطوير منطقة بحيرة تونس، أحد أبرز المشاريع الكبرى التي أعادت رسم ملامح العاصمة تونس. وإلى جانبه برزت أسماء مثل محسون جلال والشيخ عبد العزيز البراهيم، الذين رأوا في تونس أكثر من فرصة استثمارية، رأوا فيها بلدا شقيقا قريبا من القلب، يستحق أن يشاركوا شعبه أحلام التنمية والنهوض.
ما أجمل حقا، أن تكون بين بلدين شقيقين كل هذه الحكايات الإنسانية.
حكايات شعراء كتبوا الحب، ودبلوماسيين صنعوا المودة، وفنانين غنوا للجمال، ورجال أعمال ومستثمرين آمنوا بالمكان، ومواطنين عاديين عادوا إلى المملكة وهم يحملون في ذاكرتهم شيئا من حب تونس لا تقدر السنوات على محوه.
وهنا تتجلى الحقيقة الأكبر: إن أجمل العلاقات بين الدول هي تلك التي تنجح في أن تجعل الإنسان يشعر بأنه بين أهله، حتى وهو بعيد عن وطنه.
فقد تبني السياسة التحالفات، ويصنع الاقتصاد المصالح، لكن الثقافة والمحبة وحدهما تملكان هذه المعجزة النادرة: أن تجعل إنسانا يحب وطنا ليس وطنه، وأن يظل يحمله في قلبه أينما ذهب.
ولهذا، فإن أولئك الأشقاء السعوديين الذين مروا بتونس لم يكونوا مجرد عابرين في تاريخها، بل أصبحوا جزءا من حضورها وذاكرتها الجميلة، كما أصبحت تونس قطعة خضراء مزروعة إلى الأبد في قلوبهم.
ولعل تلك هي أسمى صور الدبلوماسية الثقافية، حين تتحول المحبة إلى تاريخ، ويتحول الحنين إلى جسر لا تهدمه المسافات مهما بعدت، ويصبح الإنسان نفسه أجمل سفير بين مملكة شقيقة عزيزة علينا وبلادنا تونس.