الهادي التليلي
الحال الذي وصل إليه المشهد الجيوسياسي في أمريكا من تشتت وعدم الثقة في أي من المعسكرين الجمهوري أو الديمقراطي خاصة بعد إن انتهى زمن الكرت الأبيض الأمريكي لإسرائيل وبروز جيل جديد غايته أمريكا، أولا ولكن خارج شعارات ماغا MAGA التي أفرغت من محتواها بعد أن تم استنزاف أهدافها ولم يلتزم الحزب الجمهوري الحاكم بأي منها والتي هي أولا مصلحة أمريكا فوق كل اعتبار خارجي، سواء كان ذلك في المجال الاقتصادي أو السياسي أو الأمني.
ثانيا حماية الاقتصاد المحلي وفرض رسوم جمركية ودعم الصناعة الأمريكية، وثالثا تشديد الهجرة غير النظامية وإغلاق الحدود ورابعا إعادة تدوير التحالفات وفق نهج براغماتي يخدم المصلحة الأمريكية.
دعم الحروب مثل الحرب الأوكراني الروسية والانقياد الأعمى وراء نزوات إسرائيل العدوانية والحربية أحدثت انشقاقا ليس فقط في ماغا ولكن كذلك في الجسد الجمهوري نفسه، ونفس الشيء وقع مع المعسكر الديمقراطي حيث أن أخطاء الماضي وخاصة فترة بايدن خلقت طبقة كاملة من مثقفي هذا الحزب ورموزه تنحو نحو الوسط فلو عدنا إلى حقبة حكم الحزب الديمقراطي الأخيرة نجدها عبارة عن مشهد سوريالي تحكمه الكواليس ويتحمل أعبائه الواقع ولكن في كل لحظة يشي بأن العالم وخاصة المجتمع الأمريكي بصدد توديع مرحلة ديمقراطية غير مأسوف عليها مرحلة بدأت وكأنها تشي بنهاية الكون، حيث افتتح بايدن مدته الرئاسية بالتصادم مع روسيا وأراد استمالة الصينيين لكن دون جدوى ثم جاءت معركة كرباغ سنة 2020 والتي كانت الايدي الأمريكية المحرك الخفي لرماد نار حرب سابقة وبعدها كانت الحرب الروسية الأوكرانية والتي أعلن خلالها الحلف الأطلسي دعمه المباشر لأوكرانيا، وكادت أن تكون إعلانا رسميا لحرب عالمية ثالثة لولا تفعيل حرب القمح والطاقة من الطرف الروسي والتي ضربت كامل أوروبا في العمق والاقتصاد العالمي كارتداد لهذا القصف الطاقي الذي جعل الغرب ينام باكرا نتيجة انحسار الطاقة .
والذي زاد الطين بلة في سياسة الديمقراطيين هو التذبذب في التعاطي مع الملفات الإقليمية حيث وضع الديمقراطيون يدهم اليمنى مع الكيان الإسرائيلي واليد اليسرى مع إيران وعندما اختنق أفقهم الانتخابي صنعوا سيناريو السابع من أكتوبر في شكل مسرحي لا يرتقي إلى الهوليودية والأقرب إلى البوليودية وكان السيناريو بالشراكة في الإنتاج بين أمريكا وايران وإسرائيل، وقبل ذلك وقع دفع المقابل لإيران بالإفراج عن مبالغ مجمدة والمقابل سلمت إيران حلفاءها لإسرائيل في سياق مواصلة برنامج ملفها النووي.
فالديمقراطيون صنعوا المسرحية لإعطاء المشروعية لإسرائيل لتفعل ما بدا لها تحت غطاء أمريكي في الحقيقة هي ورقة انتخابية تعد الرمق الأخير في سباق انتخابي يكاد يكون محسوما قبل بدايته لصالح الجمهوريين حيث أشتعل حريق في الشرق الأوسط لا يدري الديمقراطيون ما سيؤول إليه لأن المهم بالنسبة إليهم إنقاذ ما يمكن إنقاذه في السباق الانتخابي أو على الأقل المحافظة على الفارق الأكاديمي في الهيمنة بين المجلسين بما أن ورقة استمالة وارضاء الكتلة الصهيونية في المجتمع الأمريكي لم تعد كافية بل ورقة عكسية خاصة والخوف من الردود الانتقامية مزق صفحة الأمان التي كان ينعم بها الإسرائيليون قبل هذه المرحلة، فالوضع الاجتماعي والاقتصادي الأمريكي وتفاقم نسب البطالة وجر هذه الدولة العظمى إلى حروب ومعارك الأمريكان في غنى عنها جعل المواطن الأمريكي يتحسر على فترة دونالد ترامب وجعل الديمقراطيين يغيرون واجهتهم من جو بايدن إلى كاميلا هاريس ومن ثمة هزيمة مدوية.
تاكر كارلسون الذي كان المنظر الإعلامي لفتوحات ترامب زمن الانتخابات وأحد رموز حركة ماغا اقتنص سياسيا تشكل طبقة ضخمة من سياسيي الطبقة الجديدة الجيل الجديد الذي ضاق ذرعا من الانقياد الأعمى وراء إسرائيل وكشفت له وسائل التواصل الاجتماعي والإعلام جرائم هذا الكيان والخسائر الكبيرة التي تتكبدها أمريكا يوما بعد يوم في مختلف المجالات كالاقتصاد والأمن والسياسة جراء هذه التبعية العمياء أفرغت الخزانين الانتخابيين لكلا المعسكرين الديمقراطي والجمهوري من جيل كامل قادر على أن يقلب الطاولة الانتخابية على كلا الحزبين وتحقيق المعجزة التي لم تحصل طوال التاريخ الانتخابي للولايات المتحدة الأمريكية
في الحقيقة خيار الثالث الانتخابي ليس بدعة تاكر كارلسون بقدر ماهي فطنة سياسي وإعلامي يحسن قراءة المشهد ويجيد قراءة التاريخ فقراءة المشهد تواجد خزان انتخابي غير مستثمر وهو عبارة عن طبقة الوسط والتي انظم إليها النيو محافظين والشباب وكل من تضرروا من هذه العنتريات السياسية التي من أسبابها الخروج التام عن مبادئ أمريكا أولا
وفي ما يخص قراءة الرجل للتاريخ يكفي أن نذكر بحملة روس بيروت في التسعينات نسبة إلى السياسي ورجل الأعمال
روس بيروت ROSS PEROT سنة 1992الذي ترشح كمستقل أمام كل من بيل كلينتون عن الديمقراطيين وجورج بوش الثاني عن الجمهوريين وتقريبا نفس الأسباب العميقة التي حفزت تاكر كارلسون وبالرغم من كونه بلا حزب يدعمه تحصل على 19 بالمائة من الأصوات، وكانت مفاجأة صادمة للحزبين ونضع خطا أحمر تحت عبارة الاستفادة من التاريخ حيث أن تاكر لم يبدأ من حيث بدأ روسس وإنما من حيث انتهى منطلقا من أسباب عدم فوزه لينطلق منها إذ أعلن عن اعتزامه تأسيس حزب سياسي جديد مغاير لتوجهات الحزبين حيث يراهما تحولا إلى حزب واحد متقادم ولكن بتسميتين.
تاكر كارلسون لم يؤسس بعد حزبه ولم يحدد بعد تركيبة فريقه ولكنه أفصح عن أهدافه التي تستجيب لطموحات الشريحة الجديدة من الشعب الأمريكي والتي ضاقت ذرعا بالموالاة العمياء لإسرائيل، فهل تكون إسرائيل سببا في سقوط سطوت الحزبين الجمهوري والديمقراطي؟