د.شريف بن محمد الأتربي
تعج الكثير من القنوات الفضائية ومنصات التواصل الاجتماعي بمن يزعمون قدرتهم على كشف الغيب أو التنبؤ بالمستقبل. وفي بعض الأحيان تصادف بعض توقعاتهم الواقع، أو تبدو متحققة في نظر الجمهور، مما يمنحهم قدرًا من المصداقية لدى بعض الناس، ويخلق حالة من التهافت عليهم من قِبل من يبحثون عن أخبار الغد، ويغفلون عن صناعة يومهم.
ومع مرور الوقت، أصبح بعض هؤلاء يؤثرون في قرارات أفراد، بل وفي توجهات بعض المستثمرين والمتابعين للأسواق، وربما في الرأي العام حول قضايا اقتصادية أو سياسية، اعتمادًا على ما يطرحونه من توقعات وتحليلات.
واليوم، ونحن نعيش عصر الذكاء الاصطناعي، يبرز سؤال جديد: هل يستخدم من يدّعون استشراف المستقبل الذكاء الاصطناعي؟
والإجابة قد تكون: نعم، قد يستخدمه بعضهم كما يستخدمه الصحفي، أو الباحث، أو المحلل الاقتصادي. لكن السؤال الأهم ليس: هل يستخدمونه؟ بل: هل يمنحهم الذكاء الاصطناعي قدرة على معرفة الغيب؟
والجواب القاطع: لا.
فالقرآن الكريم وضع حدًا فاصلاً بين ما يمكن للعقل البشري أن يدركه، وما استأثر الله بعلمه، فقال سبحانه: {قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ}.
وهذه الآية لا تنفي قدرة الإنسان على التفكير، أو التحليل، أو استشراف المستقبل، لكنها تنفي أن يملك أحد علم الغيب المطلق.
وهنا يأتي دور الذكاء الاصطناعي.
فالذكاء الاصطناعي لا يرى المستقبل، ولا يقرأ الغيب، ولا يتلقى أخبارًا من عالم مجهول، وإنما يقوم بعمل مختلف تمامًا؛ فهو يجمع مليارات البيانات، ويحلِّل الأنماط، ويقارن بين الأحداث، ويحسب الاحتمالات، ثم يقدم السيناريو الأكثر ترجيحًا وفقًا لما لديه من معلومات.
إنه يشبه طبيبًا خبيرًا يستطيع أن يتوقع تطور حالة مريض بناءً على آلاف الحالات السابقة، أو خبيرًا اقتصاديًا يتوقع اتجاه السوق بعد دراسة مؤشرات متعددة.
إنه يتوقع...
ولا يعلم.
وهذا فرق جوهري.
إن بعض من يروجون لأنفسهم على أنهم يملكون مفاتيح المستقبل قد يجدون في الذكاء الاصطناعي وسيلة لتعزيز خطابهم. فحين تعرض الخوارزميات تحليلات معقدة ورسومًا بيانية دقيقة، قد يظن المتلقي أن ما يسمعه حقيقة لا تقبل الشك، بينما هو في الواقع مجرد توقع مبني على بيانات قابلة للتغير في أي لحظة.
وهنا تكمن الخطورة.
فالناس قد يخلطون بين قوة التحليل وعلم الغيب.
وبين الاحتمال واليقين.
إن التاريخ يعلمنا أن أحداثًا كبرى غيّرت مسار العالم لم يكن يتوقعها كثير من الخبراء، مثل الأزمات المالية العالمية، أو الجوائح، أو الكوارث الطبيعية، أو التحولات السياسية المفاجئة. وهذا يذكرنا بأن المستقبل لا تصنعه البيانات وحدها، بل تؤثر فيه قرارات البشر، والظروف المستجدة، وسنن الله في الكون.
ومن هنا، فإن الذكاء الاصطناعي لا ينبغي أن يكون أداة لإقناع الناس بأن أحدًا يمتلك مفاتيح الغيب، بل وسيلة لتحسين جودة القرار، وتقليل درجة عدم اليقين، وبناء خطط أكثر استعدادًا للمستقبل.
إن الإسلام لا يحارب التفكير في المستقبل، بل يحث على حسن التدبير والأخذ بالأسباب، لكنه في الوقت نفسه يربي الإنسان على التواضع أمام علم الله، فلا يغتر بتحليلاته، ولا يرفع توقعاته إلى منزلة اليقين.
وهذا هو التوازن الذي يحتاجه عصر الذكاء الاصطناعي.
فالخطر الحقيقي ليس أن تصبح الخوارزميات أكثر ذكاءً..
بل أن يتحول الإنسان إلى أسير لما تنتجه من توقعات، فينسى أنها أدوات تحليل، وليست مفاتيح للغيب.
لقد منح الله الإنسان العقل ليقرأ الحاضر، ويستفيد من الماضي، ويستشرف المستقبل، لكنه لم يمنحه علم الغيب.
والذكاء الاصطناعي ليس إلا امتدادًا لهذه القدرة الإنسانية على التحليل، وليس تجاوزًا للحدود التي اختص الله بها نفسه.
ولذلك، فكلما ازدادت دقة الخوارزميات، ازداد واجب الإنسان في التمييز بين التوقع واليقين، وبين التحليل والوحي، وبين الاستشراف العلمي وادعاء معرفة الغيب.
وفي زمن تتسابق فيه الآلات إلى تحليل المستقبل، يبقى الإيمان بهذه الحقيقة القرآنية هو البوصلة التي تحفظ للعقل اتزانه وللقلب طمأنينته: {قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ}.