صبحي شبانة
ليست الحروب وحدها هي التي تعيد رسم خرائط العالم، بل ما يترتب عليها من إعادة تشكيل موازين القوة، وإعادة تعريف مفاهيم الأمن، وإعادة تشكيل التحالفات الإقليمية والدولية، فالشرق الأوسط يقف اليوم أمام مرحلة قد تختلف ملامحها عن كل ما عرفته المنطقة خلال العقود الماضية، ليس فقط بسبب المواجهة الأمريكية الإيرانية وما قد تؤول إليه من نتائج، وإنما لأن النظام الدولي نفسه يمر بمرحلة إعادة تموضع شاملة، تتراجع فيها أنماط الهيمنة التقليدية، وتبرز أولويات استراتيجية جديدة تفرض على الدول إعادة النظر في حساباتها الأمنية، وأدوات ردعها، وشبكة تحالفاتها.
وفي قلب هذه المستجدات الاستراتيجية، تقف دول مجلس التعاون الخليجي أمام سؤال لم يعد من الممكن تأجيله: هل آن الأوان للانتقال من مرحلة الاعتماد على الضمانات الأمنية الخارجية إلى مرحلة بناء منظومة خليجية قادرة على حماية أمنها اعتمادًا على قدراتها الذاتية، مع الحفاظ في الوقت نفسه على شراكاتها الإستراتيجية مع القوى الدولية؟.
هذا السؤال لا ينطلق من فرضية أن الولايات المتحدة تتجه إلى انسحاب كامل من المنطقة، فالمصالح الأمريكية في الخليج ستظل قائمة ما دامت المنطقة تمثل شريانًا رئيسًا للطاقة والتجارة العالمية، وما دامت الممرات البحرية الحيوية تشكل عنصرًا أساسيًا في الاقتصاد الدولي، لكن المؤشرات التي برزت خلال العقد الأخير تكشف عن توجه أمريكي واضح نحو تقليص الانخراط العسكري المباشر، مقابل تعزيز دور الحلفاء في تحمل مسؤولية أمنهم، ولم يعد هذا التوجه مرتبطًا بإدارة أمريكية بعينها، بل أصبح يعكس تحولًا في التفكير الاستراتيجي الأمريكي، الذي بات ينظر إلى منطقة المحيطين الهندي والهادئ بوصفها الساحة الرئيسة للمنافسة مع الصين، بينما يتجه الشرق الأوسط تدريجيًا من كونه أولوية أولى إلى ملف يمكن إدارته بتكلفة أقل، وبالاعتماد بدرجة أكبر على الشركاء الإقليميين.
ومن هنا، فإن السؤال الذي ينبغي أن يشغل العواصم الخليجية ليس ما إذا كانت الولايات المتحدة ستبقى أو سترحل، بل ما إذا كانت المنظومة الخليجية جاهزة للتعامل مع أي مستوى من مستويات الالتزام الأمريكي، سواء بقي على حاله، أو تقلص تدريجيًا، أو تغيرت طبيعته خلال السنوات المقبلة، فالدول التي تبني أمنها على قدراتها الذاتية تكون أكثر قدرة على حماية مصالحها، وأقل تعرضًا لتقلبات السياسات الدولية أو تغير أولويات القوى الكبرى، ولعل أهم ما يميز البيئة الأمنية الجديدة أنها تختلف جذريًا عن تلك التي سادت في العقود الماضية.
فالحروب لم تعد تُحسم فقط بحجم الجيوش أو عدد الطائرات والدبابات، بل أصبحت تعتمد على الصواريخ الدقيقة، والطائرات المسيّرة، والهجمات السيبرانية، والذكاء الاصطناعي، والحرب الإلكترونية، واستهداف البنية التحتية الحيوية، إلى جانب استخدام الفضاء المعلوماتي للتأثير في الرأي العام وإرباك مؤسسات الدولة، كما أن تنامي قدرات الميليشيات المسلحة، وامتلاكها وسائل قتالية متطورة، أوجد واقعًا أمنيًا أكثر تعقيدًا، فلم يعد من الممكن الفصل بين الأمن العسكري، والأمن الاقتصادي، والأمن السيبراني، والأمن المجتمعي، بعد أن أصبحت جميعها حلقات مترابطة في منظومة واحدة، يكفي استهداف أحدها لإحداث خلل في بقية المنظومة، وفي هذا السياق، لا يمكن تجاهل أن إيران، بصرف النظر عن مسار علاقاتها مع الولايات المتحدة، ستظل لاعبًا رئيسًا في معادلات الأمن الإقليمي، فترسانتها الصاروخية، وبرامجها الخاصة بالطائرات المسيّرة، وشبكات نفوذها في عدد من دول الشرق الأوسط، تجعل أي تسوية سياسية، مهما بلغت أهميتها، غير كافية وحدها لإزالة مصادر القلق الأمني في الخليج، فالتاريخ يؤكد أن الاتفاقات السياسية قد تخفف من احتمالات المواجهة المباشرة، لكنها لا تنهي دائمًا التنافس الاستراتيجي، ولا تلغي سعي الدول إلى تعزيز أوراق القوة والنفوذ، ومن هنا، يصبح الانتقال من إدارة الأزمات إلى بناء التوازنات الاستراتيجية ضرورة أكثر منه خيارًا، فالردع لا يتحقق بكثرة الأسلحة وحدها، وإنما بوجود منظومة أمنية قادرة على اتخاذ القرار بسرعة، وتنسيق الجهود بكفاءة، وامتلاك رؤية موحدة للتعامل مع المخاطر قبل أن تتحول إلى أزمات، وهذا ما يفسر نجاح بعض التحالفات العسكرية في الحفاظ على تماسكها لعقود طويلة، رغم اختلاف مصالح وقدرات أعضائها.
ولعل التجربة الأبرز في هذا المجال هي تجربة حلف شمال الأطلسي، الذي لم يكن نجاحه نتاج التفوق العسكري وحده، بل ثمرة بناء مؤسسي متكامل يقوم على قيادة موحدة، وعقيدة دفاعية مشتركة، وتوزيع واضح للأدوار، وآليات دائمة لتبادل المعلومات، والتخطيط، والتدريب، واتخاذ القرار، ولذلك لم يعد الناتو مجرد تحالف دفاعي، بل تحول إلى مؤسسة استراتيجية قادرة على التطور المستمر، واستيعاب المتغيرات التكنولوجية والعسكرية، والتعامل مع أنماط التهديد الجديدة، من الهجمات السيبرانية إلى الذكاء الاصطناعي والفضاء، وهنا سؤال يفرض نفسه: هل وصلت قوات درع الجزيرة إلى هذا المستوى من التكامل المؤسسي، أم أنها لا تزال تؤدي دورًا مهمًا، لكنه أقل من الطموح الذي تتطلبه التحولات الجارية؟.
إن الإجابة عن هذا السؤال لا تنتقص من أهمية درع الجزيرة، التي مثلت منذ تأسيسها إحدى أهم ركائز العمل الدفاعي الخليجي المشترك، لكنها تفتح الباب أمام مراجعة موضوعية لطبيعة الدور الذي ينبغي أن تضطلع به خلال العقدين المقبلين، في ظل بيئة أمنية تختلف جذريًا عن البيئة التي أنشئت فيها، إن مراجعة تجربة قوات درع الجزيرة لا ينبغي أن تُفهم على أنها انتقاد لما تحقق خلال العقود الماضية، بقدر ما هي دعوة لتطوير هذه التجربة بما يتناسب مع طبيعة التهديدات الجديدة، فقد أُنشئت القوة في مرحلة كانت التحديات الأمنية تختلف جذريًا عما هي عليه اليوم، وكانت العقيدة العسكرية السائدة تقوم على مواجهة الجيوش النظامية، بينما أصبحت البيئة الأمنية الراهنة أكثر تعقيدًا، بعد أن دخلت الصواريخ الدقيقة والطائرات المسيّرة والحرب السيبرانية والذكاء الاصطناعي ضمن أدوات الصراع، وأصبح استهداف الاقتصاد والبنية التحتية والمعلومات لا يقل خطورة عن استهداف الحدود.
ومن هنا فإن المقارنة مع حلف شمال الأطلسي لا ينبغي أن تنطلق من حجم القدرات العسكرية أو الإنفاق الدفاعي، وإنما من طبيعة البناء المؤسسي. فالناتو لم يصبح أكثر التحالفات العسكرية استقرارًا لأنه يضم أقوى الجيوش فحسب، بل لأنه نجح في بناء مؤسسات دائمة تتجاوز الاعتبارات الوطنية الضيقة، وتمتلك قيادة عمليات موحدة، وهيكلًا واضحًا لاتخاذ القرار، ومراكز مشتركة للاستخبارات والإنذار المبكر، إضافة إلى منظومة متكاملة للتدريب والتخطيط والتصنيع الدفاعي والجاهزية القتالية، لقد أدركت دول الحلف مبكرًا أن الردع لا يتحقق بتجميع الجيوش عند وقوع الأزمات، وإنما ببناء منظومة تعمل يوميًا، وتتدرب معًا، وتخطط معًا، وتتخذ القرار وفق رؤية استراتيجية مشتركة، أما درع الجزيرة، فقد نجحت في ترسيخ مبدأ الدفاع الخليجي المشترك، وأسهمت في تعزيز التنسيق العسكري بين دول المجلس، إلا أن التطورات الإقليمية والدولية تفرض اليوم الانتقال بها إلى مرحلة جديدة، تكون فيها نواة لمنظومة دفاع خليجية متكاملة، لا مجرد قوة يمكن استدعاؤها عند الحاجة، فالقوة العسكرية الحديثة لم تعد تُقاس بعدد الأفراد أو حجم المعدات، وإنما بسرعة اتخاذ القرار، وكفاءة القيادة والسيطرة، وتكامل المعلومات، والقدرة على العمل المشترك في مختلف الظروف، ولذلك، فإن إعادة هيكلة درع الجزيرة ينبغي أن تبدأ من بناء قيادة عسكرية خليجية دائمة تتمتع بصلاحيات عملياتية واضحة، تعمل إلى جانب القيادات الوطنية، وتكون مسؤولة عن التخطيط الاستراتيجي، وإدارة التدريبات المشتركة، وإعداد خطط الطوارئ، وتقييم المخاطر بصورة مستمرة، كما أن إنشاء مركز استخباراتي خليجي موحد لم يعد ترفًا مؤسسيًا، بل ضرورة تفرضها طبيعة التهديدات العابرة للحدود، إذ إن تبادل المعلومات في الوقت المناسب قد يكون في بعض الأحيان أكثر أهمية من امتلاك أحدث أنظمة التسليح، ولا يقل عن ذلك أهمية بناء شبكة خليجية موحدة للدفاع الجوي والصاروخي، بحيث تتكامل أنظمة الرصد والإنذار والاعتراض بين جميع دول المجلس، وتعمل بوصفها منظومة واحدة، قادرة على التعامل مع أي تهديد في اللحظة نفسها، بغض النظر عن الدولة التي يستهدفها، فالصواريخ والطائرات المسيّرة لا تعترف بالحدود السياسية، ومن ثم فإن التصدي لها يتطلب استجابة جماعية تتجاوز الحسابات الوطنية الضيقة.
وفي موازاة ذلك، أصبح من الضروري إنشاء قيادة خليجية متخصصة في الأمن السيبراني، تتولى حماية البنية التحتية الرقمية، وشبكات الطاقة، والموانئ، والمطارات، والقطاع المالي، ومنظومات الاتصالات، فالحروب المقبلة قد تبدأ بهجوم إلكتروني يعطل شبكة كهرباء، أو يشل حركة ميناء، أو يربك النظام المالي، قبل أن تُطلق رصاصة واحدة، ولهذا فإن الأمن الرقمي لم يعد ملفًا تقنيًا، بل أصبح جزءًا أصيلًا من الأمن القومي، ولا يقتصر مفهوم الاعتماد على الذات على الجانب العسكري وحده، بل يمتد إلى بناء قاعدة صناعية دفاعية خليجية قادرة على تقليل الاعتماد على الخارج في توفير الاحتياجات الأساسية للقوات المسلحة، وقد قطعت بعض دول الخليج خطوات مهمة في هذا المجال، إلا أن المرحلة المقبلة تتطلب الانتقال من الصناعات الوطنية المنفردة إلى مشروع خليجي مشترك، يقوم على تكامل القدرات، وتقاسم الأدوار، والاستثمار في البحث العلمي، ونقل التكنولوجيا، بما يسهم في بناء صناعة دفاعية تنافسية تخدم أمن المنطقة وتدعم اقتصادها في الوقت نفسه. ومن الخطأ أن يُفهم هذا التوجه على أنه دعوة إلى فك الارتباط مع الولايات المتحدة أو مع الشركاء الدوليين، فالعلاقات الاستراتيجية ستظل عنصرًا مهمًا في معادلة الأمن الخليجي، غير أن الشراكة المتوازنة تختلف عن الاعتماد الكامل، والتحالف القائم على المصالح المشتركة يختلف عن الاعتماد على ضمانات خارجية قد تتغير بتغير الإدارات أو تبدل الأولويات الدولية، فالدول القوية هي التي تدخل التحالفات من موقع القدرة، لا من موقع الحاجة، كما أن تنويع الشراكات الدفاعية لا ينبغي أن يكون هدفًا في حد ذاته، وإنما وسيلة لتعزيز الاستقلال الاستراتيجي، فالتعاون مع الولايات المتحدة سيبقى مهمًا، كما أن توسيع مجالات التعاون مع أوروبا وآسيا، والاستفادة من الخبرات العسكرية والتقنية للدول الصديقة، يمكن أن يعزز من قدرات المنظومة الخليجية، شريطة أن يبقى القرار الأمني الخليجي نابعًا من رؤية خليجية موحدة، لا من توازنات القوى الدولية.
وخلال السنوات الخمس عشرة المقبلة، وحتى عام 2040، تبدو دول الخليج أمام ثلاثة مسارات محتملة، الأول أن تستمر الأوضاع على ما هي عليه مع تطوير محدود في منظومة التعاون العسكري، وهو سيناريو يحافظ على الاستقرار لكنه قد لا يكون كافيًا لمواجهة التحديات المستقبلية، والثاني أن تنجح دول المجلس في بناء منظومة دفاعية متكاملة، تتشارك فيها الموارد والخبرات والقدرات، وتصبح قادرة على تحقيق ردع إقليمي يعتمد أولًا على الإمكانات الخليجية، مع استمرار الشراكات الدولية، أما السيناريو الثالث، وهو الأقل تفضيلًا، فيتمثل في استمرار الاعتماد المفرط على الضمانات الخارجية، مع بطء تطوير العمل الدفاعي المشترك، وهو ما قد يحد من قدرة دول الخليج على التكيف مع أي تغيرات مفاجئة في البيئة الدولية أو الإقليمية.
وإذا كان التاريخ يعلمنا شيئًا، فهو أن الأمن لا يُستورد، بل يُبنى. والتحالفات قد تعزز هذا الأمن، لكنها لا تستطيع أن تحل محل الإرادة السياسية، ولا أن تعوض غياب المؤسسات القادرة على العمل المشترك، ولذلك فإن بناء منظومة أمن خليجية أكثر تكاملًا لم يعد خيارًا يرتبط بظروف مرحلة معينة، بل أصبح استثمارًا استراتيجيًا في مستقبل المنطقة، وضمانة لاستقرارها في عالم تتسارع وتتبدل فيه التحولات، وتتبدل فيه موازين القوة بصورة غير مسبوقة.