فائز بن سلمان الحمدي
لو كانت المآثر تستجلب بالدعاوى، والمنازل تستوفى بطول الإشادة بالنفس، لكان أرفع الناس منزلة أشدهم جلبة، وأعظمهم خطرًا أكثرهم ولوعًا بتعديد مناقبه واستعراض مآثره. غير أن للفضائل ناموسًا لا يتخلف، وسنة لا تتبدل؛ فهي إذا صدقت استغنت عن الألسنة، وإذا كملت تنزهت عن الدعاية، وإذا رسخت أبت إلا أن تكون هي الحجة لنفسها، والشاهد على ذاتها.
وإن من سجيات ذوي الألباب، وشيم أولي النهى، أن يعدوا حديث المرء عن منجزه انتقاصًا من جلاله، واستكثاره بلسانه استدراكًا على كماله؛ لأن الأثر العظيم لا يساق إلى القلوب سوقًا، ولا يقتاد إلى الأسماع اقتيادًا، بل ينساب إليها في مهابته، كما تنبسط الشمس على الآفاق بنورها من غير أن تعرف بضيائها، وكما يتسرب أريج الزهر في الأنحاء من غير أن ينهض الزهر خطيبًا بعطره.
وقد أدب القرآن هذه النفس بأدب هو منتهى الحكمة ومبلغ التهذيب، فقال سبحانه: {فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى}؛ فكأنما انتزع من المرء حق الشهادة لنفسه، وصرف أمره إلى علم الله وأثر عمله؛ لأن أقدار الرجال لا تنهض بها دعاواهم، وإنما تنهض بها حقائقهم، ولا يثبت الفضل في الأرض ثناء صاحبه عليه، وإنما يثبته ما يتركه من سنا في الأرواح، وما يخلفه من بركة في الحياة، وما يجريه الله له من القبول في أفئدة الخلق. ولهذا كان الأكابر أبعد الناس عن الاغترار بمحاسنهم، وأشدهم ريبةً بأنفسهم، وأعظمهم اتهامًا لها؛ لأنهم يعلمون أن الشجرة كلما ربت ثمارها انحنت أغصانها، وأن السنبلة كلما امتلأت حبًا أطرقت هامة وتواضعًا، وأن النفوس الخاوية وحدها هي التي تنتصب لتستجدي الأبصار وتستلحق الإعجاب.
ومن أجل ذلك قال الفاروق رضي الله عنه: «المدح الذبح»؛ لأنه يذبح من النفس يقظتها، ويستلب منها مخافة التقصير، ويلبسها من أوهام الكمال ما ليس لها. وكان العقلاء يقولون: «لا يغلبن جهل غيرك بك علمك بنفسك»؛ فإن الناس لا يبصرون منك إلا ظاهرًا مصقولًا، وأما أنت فتشهد من نفسك خباياها، وتعرف من تقصيرها ما واراه الله عن أعين الناظرين.
ولذلك كانوا يكرهون أن يكون المرء ناطقًا بفضله، أو قائمًا على نفسه شاهدًا، أو متصدرًا للتأريخ لمناقبه؛ لأن الفضيلة إذا افتقرت إلى لسان صاحبها يذيعها، فقد أقرت على نفسها بالقصور، والمنزلة إذا استمدت بقاءها من الدعاية، فقد شهدت على نفسها بأنها لم تبلغ من الرسوخ مبلغًا تستغني به عن التعريف.
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله»؛ فجعل الرفعة ثمرة الإخبات، لا بنت المخايلة، وجعل المجد وليد الأثر، لا صنيع المقال. ولذلك قيل: «من مدح نفسه فقد ذمها»؛ إذ ما أهون مجدًا لا يجد من الشهود إلا لسان صاحبه، وما أضعف فضلًا يضطر مالكه إلى أن يقيم نفسه عليه دليلًا. إن للحقائق الجليلة مهابةً تغنيها عن البيان، وللأعمال الصادقة نورًا يستغني عن المصابيح، وللمكارم إشعاعًا خفيًا يتسرب إلى الأرواح تسرب الضياء في الفجر، فلا تحتاج إلى من يحملها على منكبيه إلى الناس، ولا إلى من يستصرخ الأسماع بها صراخًا. فدع عملك في خفره، واترك لمآثرك أن تشق إليها سبيلها بنفسها؛ فإن العظائم لا تضج، والحقائق الراسخات لا تستأذن القلوب لتلجها. وإن أكرم المجد ما أتاك ساعيًا، لا ما سعيت إليه مختالًا، وأبهى الثناء ما جرى على ألسنة الناس عفوًا، لا ما سبكه المرء لنفسه تصنعًا.
فالجبال لا تحدث عن شموخها، والبحار لا تفصح عن أغوارها، والنجوم لا تعلن عن ضيائها؛ ومع ذلك تراها الأبصار، وتعرفها البصائر. وكذلك الرجال: لا يعرفون بما ينطقون به عن أنفسهم، وإنما يعرفون بما يبقى منهم بعد صمتهم، وبما تشهد به آثارهم إذا سكنت ألسنتهم، وانطوت صحائفهم، وغابوا عن مشهد الدنيا.