د. سجى عارف
لم يعد تأثير السوشيال ميديا مجرد ظاهرة عابرة في حياتنا اليومية، بل تحوّل إلى قوة إعلامية تعيد تشكيل العلاقات الاجتماعية، وتعيد تعريف الخصوصية، وتغيّر أنماط التواصل داخل الأسرة الواحدة. ما كان يومًا اجتماعًا عائليًا حول مائدة الطعام أصبح ذكرى، وما كان حديثًا مباشرًا أصبح رسالة نصية تُرسل من غرفة إلى أخرى داخل المنزل نفسه، وبينما نحتفي بالتطور التقني، نخسر شيئًا من دفء العلاقات وعمق الروابط التي كانت تحمي الأسرة وتمنحها تماسكها.
فلم يعد العالم الافتراضي مجرد مساحة إضافية، بل أصبح لدى بعضهم العالم الأساسي الذي يفرّغ فيه مشاعره، ويعبّر عن غضبه، ويبحث عن الدعم، ويكشف أسراره، وتحوّلت المنصات إلى غرف فضفضة مفتوحة، وأصبحت الاستشارات الأسرية تُطلب من الغرباء بدل المختصين، كما باتت أسرار البيوت تُنشر بلا وعي، وتُناقش أمام جمهور لا يعرف سياقها ولا يعرف أصحابها.
هذا التحوّل خلق حالة من التطبيع مع كشف الخصوصية، حتى أصبح بعضهم يعتقد أن مشاركة كل تفاصيل حياته جزء من «التطور»، بل إن السوشيال ميديا لم تغيّر فقط طريقة تواصلنا، بل أعادت تشكيل نظام القيم داخل الأسرة، فقد انخفضت قيمة الجلسات العائلية، وتراجعت عادة الحوار المباشر، بل أصبح الأطفال يتعلمون من المؤثرين أكثر مما يتعلمون من آبائهم، وتلاشت الحدود بين ما هو خاص وما هو عام. هذه التغييرات لا يمكن تجاهلها، لكنها ليست قدرًا محتومًا.
لا نطالبكم بالعودة الكاملة إلى الماضي فهي ليست ممكنة، ولا منطقية، لكن استعادة التوازن أمر ممكن، بل هو ضرورة، فنحن نستطيع أن نحتفظ بالتطور، ونستفيد من التقنية، دون أن نسمح لها بابتلاع حياتنا الأسرية، لنحمي أسرنا من الاستعراض الرقمي وهنا تأتي مسؤولية كل أسرة، وكل مؤسسة إعلامية، وكل فرد يسعى لإعادة الاعتبار لخصوصية البيت، ووضع حدود واضحة للنشر، وتعزيز ثقافة «ما يُقال داخل البيت يبقى داخله»، بالإضافة إلى تخصيص وقت يومي أو أسبوعي للتواصل الحقيقي بلا أجهزة، وتعليم الأبناء أن قيمتهم ليست بعدد المتابعين، بل بما يقدمونه من خلق وعلم وسلوك.
وقبل العادات والتقاليد، لدينا ميزان ثابت لا يتغير هو تعاليم الإسلام، فالإسلام وضع قواعد واضحة للستر، والخصوصية، وصون الأسرار، وحفظ الروابط، واحترام العلاقات، وكل ما نعيشه اليوم من انفلات في النشر، واستباحة للخصوصيات، وتضخيم للذات، يتعارض مع هذه القيم، والعودة إلى هذا الميزان ليست رجوعًا إلى الوراء، بل عودة إلى الاتزان.
علينا أن نعي جيدًا أن السوشيال ميديا ستبقى، وستتطور، وستصبح أكثر حضورًا في حياتنا، لكن الأسرة التي تعرف قيمها، وتحمي خصوصيتها، وتتمسك بمبادئها، لن تهزّها العواصف الرقمية، ونحن لا نطالب بالانسحاب من العالم الحديث، بل نطالب بأن نعيش فيه دون أن نفقد أنفسنا.