أمل حمدان الشريف
لم يعد الإعلام اليوم حكرًا على المؤسسات، ولا الكلمة حبيسة المنابر التقليدية. فقد منحت منصات التواصل الاجتماعي كل فرد نافذة يخاطب منها العالم، وجعلت من الهاتف المحمول مؤسسة إعلامية متنقلة، ومن الحساب الشخصي منبرًا قادرًا على التأثير في الرأي العام، سلبًا أو إيجابًا.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه: ماذا فعلنا بهذه القوة؟
هل جعلناها وسيلة لبناء الوعي، وتعزيز القيم، وإثراء المعرفة، وخدمة الإنسان؟ أم اختزلناها في سباق محموم نحو الأرقام، واللهث خلف المشاهدات، والبحث عن ضجيج يلفت الانتباه ولو على حساب الحقيقة والذوق والمسؤولية؟
إن أخطر ما أفرزته بعض المنصات أنها أوهمت بعضهم بأن الشهرة إنجاز، وأن كثرة المتابعين نجاح، وأن كل ما يثير الجدل يستحق النشر، بينما الحقيقة أن الانتشار لا يصنع قيمة، وأن الأرقام لا تمنح المصداقية، وأن الأثر الصادق هو وحده الذي يبقى بعد أن يخفت ضجيج الترند.
الإعلام الحقيقي لا يُقاس بما يملكه الإنسان من منصات، بل بما يحمله من رسالة، ولا بعدد من يستمع إليه، بل بما يتركه في عقول الناس ووجدانهم، فالكلمة قد تبني إنسانًا، وقد تهدم وعيًا، وقد تشعل فتنة، وقد تصنع أملًا، ولذلك كانت مسؤوليتها أعظم من أن تُترك للأهواء أو الرغبة في لفت الأنظار.
وفي اليوم العالمي لمنصات التواصل الاجتماعي، نحن بحاجة إلى مراجعة علاقتنا بهذه المنصات، فليست المشكلة في التقنية، وإنما في كيفية استخدامها. فهي أداة حضارية عظيمة إذا أحسنّا توظيفها، وخطرٌ حقيقي إذا أصبحت وسيلة لتسويق التفاهة، أو نشر الإشاعة، أو اغتيال السمعة، أو استثمار الإثارة على حساب الحقيقة.
المجتمعات لا تنهض بضجيج المحتوى، وإنما بجودة المحتوى، ولا تصنع مستقبلها بكثرة المتحدثين، وإنما بصدق الرسائل التي يتبناها أصحابها. ومن هنا، فإن المسؤولية لم تعد مسؤولية الإعلامي وحده، بل مسؤولية كل من يكتب، أو يصور، أو يعلّق، أو يعيد نشر معلومة تصل إلى الآخرين.
ويبقى الفرق كبيرًا بين من يبحث عن أثر يبقى، ومن يبحث عن ظهور ينتهي، فالأول يكتب ليضيف إلى المجتمع قيمة، والثاني ينشر ليضيف إلى رصيده رقمًا. وبين القيمة والرقم، تصنع الأمم خياراتها، ويُعرف أصحاب الرسالات من صُنّاع الضجيج.
ولعل أجمل ما نختم به، أن الإعلام رسالة، والكلمة أمانة، والمنصات الرقمية نعمة تستحق أن تُستثمر في بناء الإنسان لا في استهلاك وعيه؛ فالأثر هو التاريخ الحقيقي لصاحبه، أما الظهور فغالبًا لا يتجاوز عمر اللحظة.