صالح الشادي
تأمل معي.. حين ترفع يديك في جوف الليل، وتهمس بدعاء لا يسمعه أحد سوى الله، أليس هذا هو لقاؤك به؟ حين تسبحه في بكرة النهار وتقدسه في أصيله، أليس هذا هو قربك منه؟ حين تردد «الله أكبر» في كل موقف من مواقف حياتك، حين تذكره وأنت تمشي، وأنت تأكل، وأنت تعمل، بل حين يمر بخاطرك اسمه في غفلة من غفواتك، أليس كل هذا هو الصلاة بعينها؟
إنها ليست تلك اللحظات الخمس التي نقف فيها بين يديه سبحانه فقط، كلا، إنها صلتك به، اتصالك الدائم، نبض قلبك الذي لا ينقطع عن ذكره. فكل دعوة تخرج من أعماق روحك، وكل تسبيحة تتفجر من شوقك، وكل تكبيرة ترددها إجلالاً لعظمته، هي صلاة، هي ذات الصلاة التي تصل بها السماء بالأرض، وترفع بها حجاب الغفلة عن قلبك.
تفكر هنا في تلك الآية التي تهز كيان المؤمن: {إِلَّا الْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ}. أتدري ما يعني {دَائِمُونَ}؟ يعني أن صلاتهم لا تنقضي بانقضاء الركعات، ولا تنتهي بالسلام، بل تمتد في كل ذرة من ذرات وجودهم، في كل نفس من أنفاسهم، في كل لحظة من لحظات عمرهم. إنهم يصلون بألسنتهم إذا نطقوا، وبقلوبهم إذا سكتوا، وبجوارحهم إذا تحركوا، وبعقولهم إذا تفكروا. صلاتهم هي حياتهم، وحياتهم هي صلاتهم.
انظر إلى ثواب هؤلاء المصلين، ما أعظمه! لقد وعدهم الله أن يكونوا في معية خاصة، يستثنيهم من طبيعة البشر الهلوعين، فلا يضيقون إذا مسهم الشر، ولا يبطرون إذا مسهم الخير، لأنهم يدركون أن كل شيء من عند الله، وأن القوة الحقيقية ليست في ما يملكون، بل في من يملكون قلوبهم له. إنها منحة إلهية، وهدية ربانية، تمنح العبد طمأنينة لا تهزها العواصف، وسكينة لا تغرقها الأمواج.
وتأمل معي في فائدة هذه الصلاة المتصلة، كيف أنها تطهر الروح وتزكي النفس، وتخرجها من ظلمة الذنوب إلى نور المغفرة، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة. إنها نور في الوجه، وضياء في الصدر، وراحة في القلب، وشفاء من كل ألم، وأنس في كل وحشة، وقوة في كل ضعف.
أما الفاتحة التي نرددها، فهي خلاصة هذا كله، إنها دعاء وحمد وشكر في كلمات قليلات، حين نقول {الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}، نحمده ونشكره، وحين نقول {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}، نعلن فقرنا إليه وعظمتنا به، وحين نقول {اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ} نسأله الهداية في كل خطوة من خطوات العمر.
إذن لا تظن أن صلاتك محصورة في السجدات والركعات، بل اجعلها أنفاسك التي تتنفس بها، واجعل ذكرك له وشكرك ودعاءك مستمراً كاستمرار نور الشمس في كبد السماء، وكجريان النهر في الأرض، لا ينقطع ولا يفتر، ولا يخبو ولا يضمحل. عندها تدرك معنى أن تكون من المصلين، أولئك الذين يقطعون الحياة كلها صلةً بحبل الله، ووصالاً بجنابه، ودعاءً وابتهالاً، فلا يمضي عليهم وقت إلا وفيه لهم مع ربهم صلاة، وحضور، وقرب.