إيمان حمود الشمري
إذا كان العالم قد أُعجب بما حققته الصين في الاقتصاد والصناعة والتكنولوجيا، فإن ما يستحق الإعجاب حقاً هو الفلسفة التي تقف خلف هذه الإنجازات!! فهناك دول تُعرف بما تمتلك، وأخرى تُعرف بما تُنتج، لكن الصين تحديداً تُعرف قبل ذلك كله بما استطاعت أن تُلهمه للعالم.. وعندما تزور الصين، أو تقرأ عنها، تدرك أن ما تحقق هناك لم يكن معجزةً عابرة، بل ثمرة رؤية بعيدة، وعمل دؤوب، وإيمان عميق بأن الأمم تُبنى بالعلم قبل الحجر، وبالإنسان قبل المصانع، وبالتخطيط قبل الأمنيات.
لم تجعل الصين نجاحها حكرًا على حدودها، بل مدت يدها إلى العالم، مؤمنة بأن التنمية الحقيقية تزدهر حين تتشارك الأمم الخبرات، لذا مدت جسور التعاون مع مختلف شعوب العالم، لأنها تؤمن بأن التنمية ليست مكسبًا لطرف وخسارة لآخر، وإنما فرصة يمكن للجميع أن يربح منها، وقد وجدت هذه المنهجية صدىً لها في المملكة العربية السعودية، التي تتقاطع مع الصين بنفس القناعات والأهداف.
إذ تبرز العلاقة بين المملكة العربية السعودية وجمهورية الصين الشعبية بوصفها نموذجًا لشراكة تقوم على الاحترام المتبادل والرؤية المشتركة للمستقبل، وتلتقي رؤية المملكة 2030 مع التجربة الصينية في كثير من الطموحات، فبينما تواصل المملكة العربية السعودية مسيرتها الطموحة في ظل رؤيتها، تواصل الصين في الوقت ذاته كتابة فصل جديد من نهضتها الحضارية، إذ أصبحت العلاقة بين البلدين أكثر عمقًا من مجرد تبادل تجاري، بل حوارًا بين تجربتين تنمويتين تؤمنان بأن المستقبل يُصنع بالإرادة والعمل.
وفي هذا الإطار جاءت الزيارة الأخيرة لصاحب السمو الأمير فيصل بن فرحان وزير الخارجية السعودي، إلى جمهورية الصين الشعبية، لتؤكد أن العلاقات بين الرياض وبكين أكثر من مجرد علاقة بين شريكين اقتصاديين، إنها علاقة بين دولتين تنظران إلى المستقبل بعين واحدة، وتؤمنان أن طريق التنمية لا يتحقق إلا بتحقيق الأمن والاستقرار لذا كان من إحدى أولويات تلك الزيارة تعزيز التشاور السياسي، بما يخدم الاستقرار الإقليمي.
وعلى هامش الزيارة الرسمية، استوقفتني الصور المتداولة لزيارة وزير الخارجية للقصر الإمبراطوري «المدينة المحرمة» والتي أظهرت اهتمام سموه بالاطلاع على هذا الإرث الحضاري، فقد كان هذا القصر مقرًا لأباطرة الصين لما يقارب خمسة قرون، فهو ليس مجرد صرح معماري وإنما سجل حيّ يروي قصة حضارة استطاعت أن تحافظ على جذورها، وهي تمضي بثقة نحو المستقبل، ومثل تلك الزيارة تعكس بُعدًا رمزيًا عميقًا للعلاقة بين البلدين، فهي تمتد إلى فهم تاريخ الشعوب، واحترام إرثها الحضاري، والاقتراب من هويتها الثقافية.
فإذا كانت العقود الماضية قد شهدت صعود الصين كقوة اقتصادية عالمية، فإن السنوات القادمة تبدو مرشحة لأن تشهد توطيداً أكبر للعلاقات السعودية الصينية، بما يعود بالنفع على الشعبين الصديقين، ويعزز فرص السلام والتنمية والازدهار في المنطقة والعالم.