د. سطام بن عبدالله آل سعد
يعاني كثير من سائقي السيارات في مدينة الرياض من مشهد مروري بات يتكرر يوميًا، يتمثَّل في دبابات التوصيل التي كان يفترض أن تكون وسيلة خدمة وسرعة، لكنها تحولت في بعض المواقع إلى مصدر قلق وفوضى مرورية. وتظهر هذه الدبابات حول المطاعم والمجمعات، وعند الإشارات والتقاطعات، وغالبًا ما يقود بعضها سائقون يتعاملون مع الطريق بلا انضباط كافٍ، مما يربك الحركة ويعرِّض المشاة وقائدي المركبات للخطر.
المشكلة لا تكمن في الدبابات نفسها؛ فهي وسيلة مهمة في تسريع خدمات التوصيل وتنشيط الاقتصاد الرقمي، وتلبية احتياجات الناس اليومية. غير أن خدمات التوصيل، مهما كانت نافعة، تفقد قيمتها حين تتحول إلى خطر يومي في الطريق. وما يحدث يومياً في شوارع الرياض يكشف أن هذا النشاط يحتاج إلى تنظيم أدق، ورقابة أوضح، بما يواكب اتساعه وانتشاره.
يكفي أن تقود سيارتك دقائق قليلة حتى ترى مخالفات متكررة؛ كالسير فوق الأرصفة، وعكس اتجاه الطريق، وتجاوز الإشارات، والتسلّل بين السيارات، والوقوف العشوائي، وقطع المسارات فجأة، والدخول إلى المنعطفات بطريقة تربك حركة السير. أما الرصيف، الذي يفترض أن يكون مساحة آمنة للمشاة، فقد أصبح في كثير من المواقع ممرًا إضافيًا للدبابات.
الأخطر أن تكرار هذه المخالفات جعلها مألوفة. وما يصبح مألوفًا يتحول تدريجيًا إلى سلوك مقبول، وهنا تبدأ خطورة الفوضى المرورية؛ فهي تضر بالسلامة، وتضعف هيبة النظام في الشارع، وتمنح المخالف شعورًا بأن الطريق بلا رقابة كافية.
وجانب من المشكلة يرتبط بمنصات التوصيل نفسها. فحين يُقاس أداء السائق بسرعة الإنجاز وعدد الطلبات، يشعر أن كل دقيقة تؤثِّر في دخله، وقد يرى في المخالفة طريقًا مختصرًا لإنجاز طلب إضافي. لذلك لا يكفي تحميل السائق وحده المسؤولية؛ فالشركات والمنصات شريك مباشر في ضبط السلوك أو تركه للفوضى.
الحل لا يكون بمنع دبابات التوصيل، فقد أصبحت جزءًا من نشاط تجاري وخدمي واسع، وإنما بإدخالها في منظومة تنظيم واضحة وحازمة. يبدأ ذلك برقابة ميدانية فعَّالة، ورصد آلي للمخالفات عبر الكاميرات والذكاء الاصطناعي، مع عقوبات تصاعدية تصل إلى إيقاف السائق وتعليق حسابه عند تكرار المخالفات الجسيمة. كما يجب أن تتحمَّل منصات التوصيل مسؤوليتها، من خلال ربط سجل كل منصة بمخالفات سائقيها، وفرض غرامات على الشركات المتساهلة، وإلزامها بالتدريب والاختبارات الدورية في السلامة المرورية. ومن المهم أيضاً إعادة تنظيم حركة الدبابات بتحديد مناطق ومسارات مناسبة في المواقع عالية الكثافة، ومنع استخدامها للأرصفة أو المواقع المخصصة للمشاة.
الرياض مدينة كبرى، تتوسع وتتطور، وقادرة على تنظيم كل ما يتحرك في شوارعها. لذلك لا يليق بها أن تتحول خدمة توصيل الدبابات إلى مشهد يومي من العشوائية المرورية.