غادة الوعلان
شهد التعليم الجامعي خلال السنوات الأخيرة تحولاً كبيرًا نحو أنماط التعلم المرن والتعليم عن بُعد، مدفوعاً بالتطور التقني المتسارع وتغير احتياجات المتعلمين وسوق العمل. وقد نجحت الجامعات في توفير البرامج الأكاديمية إلكترونياً وإتاحة الفرصة لشرائح واسعة من الطلاب لمواصلة تعليمهم دون قيود المكان والزمان. إلا أن هذا التحول لم يكتمل بالشكل المأمول؛ إذ ما زالت كثير من برامج التعليم عن بُعد تخضع للآليات ذاتها التي تحكم التعليم الحضوري، وفي مقدمتها الارتباط الصارم بالفصول الدراسيّة والتقويم الأكاديمي التقليدي.
فلسفة التعليم عن بُعد تقوم أساسًا على المرونة، وتمكين المتعلم من إدارة رحلته التعليمية وفق ظروفه وإمكاناته الزمنيّة. وغالبية الملتحقين بهذه البرامج هم من الموظفين أو أصحاب المسؤوليات الأسرية أو الراغبين في تطوير مهاراتهم المهنية، وهم فئة تختلف احتياجاتها عن احتياجات الطالب المتفرغ للدراسة الحضورية. لذلك فإن إخضاعهم لجدول زمني موحد ومواعيد اختبارات ثابتة قد يفقد التعليم عن بُعد إحدى أهم مزاياه التنافسيّة.
إن ربط المقررات الدراسيّة بفصل دراسي محدد، ثم إلزام جميع الطلاب بأداء الاختبارات في وقت واحد، يجعل التعليم الإلكتروني نسخة رقميّة من التعليم التقليدي، لا نموذجاً تعليمياً مستقلاً يستثمر الإمكانات التي توفرها التقنيّة الحديثة. فعدد الأسابيع التي يقضيها الطالب داخل البرنامج لم تعد المعيار الحقيقي في التعليم المعاصر بقدر ما يحققه من مخرجات تعلم وما يكتسبه من معارف ومهارات وكفايات.
ولهذا تتجه العديد من النماذج التعليمية العالميّة نحو التعلم القائم على الكفايات، حيث ينتقل الطالب من مستوى إلى آخر بمجرد إتقانه للمهارات المطلوبة، بغض النظر عن الزمن الذي استغرقه لتحقيق ذلك. وفي هذ النموذج يصبح التقدم الأكاديمي مرتبطاً بالإنجاز الفعلي متحرراً من التقويم الزمني، وتتحول الاختبارات إلى أدوات لقياس الإتقان بدلاً من كونها محطات زمنية مفروضة على الجميع.
إن إعادة النظر في آلية الاختبارات وبرمجة المقررات في التعليم الجامعي عن بُعد تمثل خطوة ضرورية لمواكبة مستهدفات التحول الرقمي وتنمية الرأس المال البشري. ويمكن تحقيق ذلك من خلال إتاحة نوافذ اختبار متعددة خلال العام، ومنح الطلاب مرونة أكبر في إنهاء المقررات بحسب جاهزيتهم، مع المحافظة على معايير الجودة والاعتماد الأكاديمي. كما يمكن توظيف الذكاء الاصطناعي وأنظمة التعلم التكيفية في متابعة تقدم الطالب وتحديد مدى استعداده للتقييم النهائي.
ولا يعني ذلك التخلي عن الضبط الأكاديمي أو معايير الجودة، بل على العكس، فالمطلوب هو الانتقال من قياس الزمن إلى قياس التعلم، ومن التركيز على الحضور والالتزام بالتقويم إلى التركيز على تحقق المخرجات التعليمية. فالمتعلم الذي ينجز متطلبات المقرر خلال شهرين لا ينبغي أن ينتظر نهاية الفصل الدراسي لإثبات كفاءته، كما أن الطالب الذي يحتاج وقتاً أطول يجب أن يمنح فرصة التعلم وفق إيقاعه الخاص.
إن مستقبل التعليم الجامعي عن بُعد يكمن في بناء منظومة تعليمية مرنة تضع المتعلم في مركز العملية التعليمية، وتمنحه حريّة التقدم وفق قدراته واستعداده، مع الحفاظ على جودة المخرجات وكفاءة الأداء. فالتحدي الحقيقي لا يقتصر على توفير المحتوى الإلكتروني، وإنما في إعادة تصميم الأنظمة الأكاديمية بما ينسجم مع فلسفة التعليم عن بُعد وأهدافه التنموية في إعداد متعلم قادر على التعلم المستمر مدى الحياة.