عبدالكريم بن دهام الدهام
لم تعد موجات الحر التي تضرب أوروبا حدثاً استثنائياً أو ظاهرة موسمية عابرة، بل تحولت إلى واقع متكرر يفرض نفسه عاماً بعد آخر، حاصداً الأرواح، ومربكاً للحياة اليومية، وكاشفاً عن حجم التحديات التي يفرضها تغير المناخ على المجتمعات الحديثة.
فالقارة الأوروبية سبق أن شهدت في صيف عام 2003 واحدة من أكثر الكوارث المناخية فتكاً، بعدما أودت موجة حر استثنائية بحياة ما يقارب 70 ألف شخص، الأمر الذي دفع الحكومات آنذاك إلى مراجعة سياساتها ووضع خطط للتعامل مع مثل هذه الأزمات. إلا أن مرور أكثر من عشرين عامًا لم يكن كافياً لتحصين أوروبا من تكرار المشهد، إذ لا تزال موجات الحر تتسبب في سقوط آلاف الضحايا كل عام.
وخلال الأيام الماضية، سجلت أوروبا موجة حر غير مسبوقة تجاوزت فيها درجات الحرارة الأربعين مئوية في عدد من الدول، بينما تخطت الثلاثين درجة حتى في مناطق قريبة من الدائرة القطبية الشمالية، في مؤشر واضح على اتساع نطاق الظاهرة. كما سجلت حرارة أسطح البحار مستويات قياسية، في وقت يؤكد فيه خبراء الأرصاد أن أوروبا أصبحت القارة الأسرع تأثرًا بارتفاع درجات الحرارة عالمياً.
هذه الظروف الاستثنائية دفعت العديد من الحكومات إلى إعلان حالة التأهب القصوى، وإصدار تحذيرات باللون الأحمر، مع إغلاق مدارس، وإلغاء فعاليات خارجية، وفرض إجراءات احترازية للحد من المخاطر. ولم تتوقف التداعيات عند الجانب الصحي، بل امتدت إلى قطاعات النقل والطاقة، حيث تأثرت حركة القطارات، وتراجعت كفاءة بعض محطات توليد الكهرباء بفعل الحرارة المرتفعة.
ويحذر خبراء الصحة من أن موجات الحر لم تعد تحدث مرة كل عدة عقود، بل أصبحت تتكرر بوتيرة شبه سنوية نتيجة التغيرات المناخية المتسارعة. وهذا ما يضاعف المخاطر على كبار السن وأصحاب الأمراض المزمنة والفئات الأكثر هشاشة، ويضع الأنظمة الصحية أمام تحديات متزايدة.
ومن أبرز المشكلات التي تواجهها أوروبا أن بنيتها العمرانية لم تُصمم أصلًا للتعامل مع هذه المستويات المرتفعة من الحرارة. فالكثير من المنازل، والمدارس، وحتى بعض المستشفيات، تفتقر إلى أنظمة التكييف، باعتبار أن المناخ الأوروبي كان تاريخيًا معتدلاً، وهو ما جعل السكان أكثر عرضة للإجهاد الحراري وضربات الشمس، وأدى في بعض الحالات إلى وفيات كان يمكن تفاديها.
ويرى علماء المناخ أن هذه الموجة تعد من أشد موجات الحر التي عرفتها أوروبا، وأن حدوثها في هذا التوقيت من العام كان سيُعد شبه مستحيل لولا التأثير المتزايد للاحتباس الحراري الناتج عن النشاط البشري.
ويُرجع المختصون هذه الظاهرة إلى ما يُعرف بقبة الحرارة، وهي نظام جوي عالي الضغط يحبس الهواء الساخن فوق منطقة واسعة لفترات طويلة، فيمنع تجدد الكتل الهوائية الباردة، فتتراكم الحرارة تدريجياً حتى تبلغ مستويات قياسية. وقد ساهم تدفق الهواء الساخن القادم من شمال إفريقيا في تعميق هذه الأزمة وزيادة حدتها.
وتكشف الإحصاءات حجم الكارثة بصورة أكثر وضوحاً؛ فبرغم أن أوروبا تضم أقل من عُشر سكان العالم، فإنها سجلت أكثر من ثلث الوفيات المرتبطة بالحرارة عالمياً خلال العقدين الماضيين، كما فقدت أكثر من مئتي ألف شخص بسبب موجات الحر خلال السنوات الأخيرة، وهو رقم يعكس خطورة التغيرات المناخية على القارة.
إن ما تشهده أوروبا اليوم ليس أزمة محلية، بل رسالة تحذير للعالم بأسره. فالاحتباس الحراري، الناتج عن الانبعاثات الكربونية والاعتماد المستمر على الوقود الأحفوري، لم يعد مجرد توقعات علمية، بل أصبح واقعاً يفرض نفسه بحرائق وفيضانات وأعاصير وموجات حر غير مسبوقة.
لقد آن الأوان لأن تتحول التعهدات الدولية إلى إجراءات عملية، وأن تتحمل الدول الصناعية مسؤولياتها في خفض الانبعاثات وحماية البيئة، لأن التأخير في مواجهة هذه الأزمة لن يقتصر أثره على دولة أو قارة، بل سيمتد إلى مستقبل البشرية كلها.
فالطبيعة لا تنتقم، لكنها تستجيب لما يفعله الإنسان بها. وكلما استمرت الممارسات التي تستنزف مواردها وتخل بتوازنها، ازدادت الكوارث قسوة واتساعاً. وما يحدث اليوم في أوروبا قد يكون إنذاراً أخيراً يدعو العالم إلى التحرك الجاد قبل أن تصبح هذه الأزمات واقعاً دائماً يصعب احتواؤه.