أجرى الحوار - سلمان المسعودي:
علاقتنا بالسعودية تاريخية.. والشعب السوري لن ينسى ما قدمته المملكة من دعم إنساني وإغاثي متواصل عبر التاريخ
نقدر جهود الشؤون الإسلامية بالمملكة في ترسيخ قيم الوسطية والاعتدال وخدمة الإسلام
في إطار متابعة الشأن الديني والأوقاف في الجمهورية العربية السورية، وفي ظل التطورات المتسارعة التي تشهدها المنطقة، خصّ وزير الأوقاف السوري السيد محمد أبو الخير شكري صحيفة الجزيرة السعودية بإجابات شاملة حول أبرز الملفات الراهنة.
ويأتي هذا التواصل مع مكتب الوزير ليسلط الضوء على استراتيجية الوزارة في تجديد الخطاب الديني، وإدارة المؤسسات الوقفية، إضافة إلى دورها في تعزيز الاستقرار المجتمعي، وهو ما نستعرض تفاصيله في هذا الحوار:
* معالي الوزير، تمر العلاقات السعودية السورية بمرحلة تاريخية كبرى من التعاون والتنسيق المستمر، كيف تقيمون هذا التنسيق بين وزارتكم ووزارة الشؤون الإسلامية والدعوة والإرشاد في المملكة، لا سيما في مجالات نشر الوسطية والاعتدال؟
- تربط الجمهورية العربية السورية والمملكة العربية السعودية علاقات أخوية راسخة، وتشهد هذه العلاقات اليوم مرحلة متقدمة من التنسيق والتعاون في مختلف المجالات، ولا سيما في مجال عمل وزارة الأوقاف والشؤون الدينية.
وننظر بتقدير كبير إلى الجهود التي تبذلها وزارة الشؤون الإسلامية والدعوة والإرشاد في المملكة العربية السعودية في ترسيخ قيم الوسطية والاعتدال وخدمة رسالة الإسلام السمحة. وقد لمستُ من خلال اللقاءات المستمرة والتواصل الدائم حرصاً مشتركاً على تعزيز التعاون وتبادل الخبرات والاستفادة من التجارب الناجحة في المجالات الدعوية والعلمية والتأهيلية، بما يخدم المصالح المشتركة ويعزز حضور الخطاب الديني الرشيد.
ونؤمن بأن هذا التنسيق البنّاء يسهم في تعزيز الخطاب الديني المعتدل، وترسيخ قيم التعايش والتسامح، وتحصين المجتمعات من الغلو والتطرف، بما ينسجم مع رسالة الإسلام القائمة على الرحمة والاعتدال.
* هناك ترقب إقليمي كبير لملامح الهوية الفكرية في سوريا الجديدة، كيف ترون هذه الهوية؟ وما أهمية استقلال القرار الديني السوري؟
- الهوية الفكرية لسوريا الجديدة تنطلق من عمقها الحضاري العربي والإسلامي، وتستند إلى هوية وطنية جامعة تحتضن جميع أبناء الوطن، وتقوم على قيم المواطنة والإخاء والتعايش واحترام التنوع، بما يعزز وحدة المجتمع ويحفظ تماسكه.
فالشعب السوري عاش عبر تاريخه الطويل نموذجاً في التعايش بين مختلف مكوناته، يجمعه الانتماء للوطن، وتسوده قيم المحبة والتعاون والتكافل، وهذه القيم ستظل أساساً في بناء سوريا الجديدة.
أما استقلال القرار الديني السوري فهو ضرورة وطنية واستراتيجية، لأنه يضمن أن يكون الخطاب الديني نابعًا من واقع المجتمع السوري واحتياجاته، ومنسجمًا مع هويته وقيمه وثوابته، بعيدًا عن أي تأثيرات أو أجندات خارجية. وهذا الاستقلال يمكّن المؤسسة الدينية من أداء رسالتها بمسؤولية، وتقديم خطاب وسطي رشيد يعالج القضايا الفكرية والاجتماعية بروح من الحكمة والاعتدال، ويسهم في تحصين المجتمع من الغلو والتطرف، وترسيخ قيم الرحمة والانتماء والوحدة الوطنية، بما يعزز استقرار سوريا الجديدة ونهضتها.
* تواجه سوريا في مرحلة التعافي تحدياً كبيراً يتمثل في مواجهة رواسب التطرف الفكري والتنظيمات المختلفة التي خلفتها سنوات الحرب. ما هي الاستراتيجية التي تقودها الوزارة اليوم لإعادة تأهيل الأئمة والخطباء؟
- تنطلق استراتيجية وزارة الأوقاف من إدراك عميق لأهمية معالجة الآثار الفكرية التي خلفتها سنوات الحرب، وما رافقها من تحديات تراكمت خلال المرحلة السابقة في ظل النظام السابق، الأمر الذي يتطلب جهوداً علمية وتربوية متكاملة لإعادة بناء وتأهيل الكوادر الدينية.
وقد عملت الوزارة، وما زالت، على تعزيز البرامج التأهيلية للأئمة والخطباء، ورفع كفاءتهم العلمية والدعوية، بما يرسخ منهج الوسطية والاعتدال، ويمكنهم من أداء دورهم في بناء الوعي المجتمعي ومعالجة القضايا الفكرية المعاصرة.
كما يُعد مؤتمر «وحدة الخطاب الإسلامي» من أبرز المشاريع التي حرصت الوزارة على إطلاقها خلال المرحلة الماضية، والذي انبثق عنه «ميثاق وحدة الخطاب الإسلامي»، في خطوة تهدف إلى ترسيخ خطاب ديني جامع، يوحّد ولا يفرّق، ويجمع ولا يشتت، ويعزز المشتركات الوطنية والدينية. ويمثل هذا الميثاق منطلقاً أساسياً في تطوير الخطاب الديني، وتعزيز دور المؤسسة الدينية في دعم الاستقرار الفكري والاجتماعي، والإسهام في مرحلة التعافي على أسس من الاعتدال والوعي والمسؤولية.
* معالي الوزير، تُشير الأرقام والتقارير إلى نجاح بعثة الحج السورية بشكل كبير ولافت تنظيمياً وخدمياً، وقد تم تكريمها من قبل وزارة الحج والعمرة السعودية، ما أبرز الجهود التي قامت بها وزارتكم لتحقيق هذا الإنجاز؟
- أود بدايةً الإشارة إلى أن بعثة الحج السورية نالت جائزة التميز في التواصل خلال موسم حج 1446هـ، تقديراً لجهودها في هذا المجال، وهذا الموسم حالت بعض التحديات دون ذلك.
ونعدّ ذلك التكريم محطةً مهمةً في مسيرة تطوير أداء البعثة، وحافزاً لمواصلة الارتقاء بالخدمات المقدمة لحجاجنا في كل موسم.
وحرصت وزارة الأوقاف على إدارة ملف الحج السوري بكامل طاقاتها وإمكاناتها، انطلاقاً من مسؤوليتها الدينية والتنظيمية تجاه الحجاج، حيث عملت على التخطيط المبكر والإعداد الدقيق، وتوفير أفضل الخدمات والإجراءات التي تضمن راحة الحجاج وسلامتهم في مختلف مراحل أداء المناسك.
وقد تم تعزيز التنسيق والتواصل المستمر مع وزارة الحج والعمرة في المملكة العربية السعودية والجهات المختصة، ما أسهم في رفع مستوى الانسيابية والتنظيم، وتحقيق أداء متكامل انعكس إيجاباً على جودة الخدمات المقدمة لضيوف الرحمن.
وقد شكّل هذا التعاون نموذجاً عملياً للشراكة المؤسسية في خدمة الحجاج، وأدى إلى نجاح الموسم على نحو متميز من حيث التنظيم والدقة والالتزام.
* تثمن الشعوب الإسلامية قاطبة العطاء غير المحدود لحكومة خادم الحرمين الشريفين وسمو ولي عهده الأمين في خدمة ضيوف الرحمن، وبعد لقائكم معالي وزير الحج والعمرة السعودي، كيف تلمسون التطور التنظيمي والتقني في المشاعر المقدسة؟
- في كل عام نلمس تطوراً ملحوظاً يعكس حجم الاهتمام الكبير الذي توليه وزارة الحج والعمرة في المملكة العربية السعودية لضيوف الرحمن، وحرصها المستمر على العناية بأدق التفاصيل وتطوير منظومة الخدمات على مختلف المستويات التنظيمية والخدمية والتقنية.
وقد تجلى هذا التطور في القفزة النوعية التي تشهدها المشاعر المقدسة من حيث إدارة الحشود، وتسهيل الإجراءات، وتكامل الخدمات، بما يعكس رؤية متقدمة في خدمة الحجاج والمعتمرين، ويجسد مستوى عالياً من الاحترافية والتنظيم.
كما لمسنا خلال اللقاءات والاطلاع الميداني حرصاً واضحاً على الارتقاء بتجربة الحج بشكل مستمر، بما يضمن أداء المناسك في أجواء من السهولة والطمأنينة والأمان، وهو ما يعكس بوضوح حجم الجهود المبذولة على أعلى المستويات لخدمة ضيوف الرحمن.
* معالي الوزير تنظرون بعين التقدير والشكر إلى المواقف الأخوية للمملكة العربية السعودية تجاه الشعب السوري، وما قدمته من دعم إنساني وإغاثي خلال سنوات الحرب. كيف تلمسون هذا العطاء السعودي المستمر، وما أثره في تعميق أواصر الأخوة بين الشعبين الشقيقين؟
- تنظر وزارة الأوقاف في الجمهورية العربية السورية بعين التقدير والامتنان إلى المواقف الأخوية الصادقة للمملكة العربية السعودية تجاه الشعب السوري، وما قدمته من دعم إنساني وإغاثي متواصل خلال سنوات الحرب، حيث كان لهذا الدعم أثر بالغ في التخفيف من معاناة السوريين، وأسهم في تعزيز قدرتهم على الصمود وتجاوز كثير من التحديات.
ونشيد في هذا السياق بالدور الإنساني الكبير الذي يقوم به مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية، وما يقدمه من مبادرات ومشروعات نوعية استفاد منها أبناء الشعب السوري في مختلف المجالات الإغاثية والإنسانية، بما يعكس القيم النبيلة التي تقوم عليها رسالة المملكة في مدّ يد العون للمحتاجين، ويجسد روح الأخوة والتكافل الإسلامي.
ولم يقتصر هذا الدعم على الجانب الإنساني فحسب، بل جسّد عمق الروابط التاريخية والأخوية التي تجمع الشعبين الشقيقين، ورسّخ مشاعر المحبة والتقدير المتبادل بينهما. وقد لمس الشعب السوري في مواقف المملكة، قيادةً وشعباً، حرصًا صادقًا على الوقوف إلى جانبه في أصعب الظروف، وهو ما ترك أثرًا عميقًا في نفوس السوريين.
ونؤمن بأن هذه المواقف الأخوية الصادقة أسهمت في تعميق أواصر الأخوة بين الشعبين الشقيقين، ورسخت قناعة لدى أغلب السوريين بأن الشعب السعودي من أقرب الشعوب إلى الشعب السوري، وأن ما يجمع البلدين ليس مجرد علاقات رسمية، بل روابط تاريخية وأخوية راسخة، نتطلع إلى أن تزداد قوةً وتعاوناً في مختلف المجالات خلال المرحلة المقبلة.
* تمثل الفتوى وضبطها صمام الأمان الأول للمجتمعات ضد التطرف الفكري والشذوذ الفقهي. ما هي خطة وزارتكم في هذا المجال؟
- بدايةً، فإن شؤون الفتوى هي من اختصاص مجلس الإفتاء الأعلى، الذي تم تشكيله بقرار من رئيس الجمهورية العربية السورية السيد أحمد الشرع. ويضم المجلس نخبة من العلماء المتخصصين في العلوم الشرعية، ويتولى مسؤولية تنظيم الفتوى وضبطها وفق مرجعية علمية راسخة، بما يضمن وحدة المرجعية الدينية ويمنع الفوضى في إصدار الفتاوى، ويحفظ المجتمع من الغلو والانحراف والشذوذ الفقهي.وتحر ص وزارة الأوقاف على دعم هذا المسار والتعاون مع المجلس، والإسهام في ترسيخ منهج الاعتدال، وتعزيز الوعي الديني، بما ينعكس إيجاباً على حماية المجتمع من التطرف الفكري وترسيخ الأمن الفكري.
* تضررت العديد من المساجد والمعاهد الشرعية والأثرية في سوريا خلال السنوات الماضية. ما هو دور وزارة الأوقاف في إعادة تأهيل هذه الحواضر التاريخية، وفي مقدمتها الجامع الأموي الكبير، مع الحفاظ على هويتها الروحية والتراثية العريقة؟
- تعمل وزارة الأوقاف وفق خطة مدروسة لإعادة تأهيل وترميم المساجد والمعاهد الشرعية التي تضررت خلال السنوات الماضية، من خلال برامج متواصلة لإعادة الإعمار والصيانة، مع وضع أولويات تراعي حجم الضرر واحتياجات كل منطقة.
فقد بلغ عدد المساجد المتضررة مع بداية مرحلة التحرير 2783 مسجداً، أُنجز ترميم 863 مسجداً منها، فيما يجري العمل حالياً على ترميم 531 مسجداً، وتبقى 1389 مسجداً ضمن خطط الوزارة لاستكمال أعمال التأهيل خلال المراحل المقبلة.
أما على صعيد الثانويات الشرعية، فقد بلغ عدد المنشآت المتضررة 47 ثانوية شرعية، تم الانتهاء من ترميم 35 ثانوية، فيما لا تزال 12 ثانوية بحاجة إلى أعمال الترميم والتأهيل.
وفيما يتعلق بالمساجد الأثرية والحواضر التاريخية، وفي مقدمتها الجامع الأموي الكبير، تُنفذ أعمال الترميم بالتنسيق مع الجهات المختصة، ولا سيما مديريات الآثار، بما يضمن الحفاظ على الطابع المعماري والتراثي لهذه المعالم، وصون قيمتها الدينية والتاريخية.
وتؤكد الوزارة أن جهودها لا تقتصر على إعادة الإعمار المادي، بل تمتد إلى الحفاظ على الهوية الروحية والعلمية لهذه الحواضر، وإعادة تفعيل رسالتها الدعوية والتعليمية، بما يعزز دورها في خدمة المجتمع والأجيال القادمة.
* تلعب الأوقاف دوراً تنموياً واقتصادياً مهماً في استقرار المجتمعات. كيف ترون الاستثمار الأمثل للأصول الوقفية السورية وتحويلها إلى موارد مستدامة تدعم العمل الخيري والتنمية؟
- تولي وزارة الأوقاف أهمية كبيرة لتطوير واقع الأوقاف وتعزيز دورها التنموي والاقتصادي، باعتبارها أحد أهم الموارد المستدامة التي يمكن أن تسهم في دعم العمل الخيري والمجتمعي والتنمية الشاملة.
وتعمل الوزارة على إعادة تقييم وإدارة الأصول الوقفية وفق أسس علمية واقتصادية حديثة، بما يضمن حسن استثمارها وتفعيل دورها في تحقيق موارد مستدامة، تسهم في دعم المشاريع الوقفية والخدمات الاجتماعية والتعليمية والدعوية.
كما تسعى الوزارة إلى تطوير آليات الاستثمار الوقفي، بما يحقق التوازن بين الحفاظ على أصل الوقف وتنميته، ويعزز دوره في خدمة المجتمع، وترسيخ قيم التكافل والتضامن الاجتماعي.
* معالي الوزير، واجه الجيل الجديد في سوريا الجديدة هزات فكرية واجتماعية عنيفة بسبب ظروف الحرب. ما هي مشاريعكم في مجال «الأمن الثقافي»، وكيف يمكن للمؤسسة الدينية بالتعاون مع المؤسسات العربية الشقيقة صياغة وعي ديني محصن يحمي الهوية العربية والإسلامية للأجيال القادمة؟
- تولي وزارة الأوقاف أهمية خاصة لمفهوم الأمن الثقافي والفكري في سوريا الجديدة، باعتباره ركناً أساسياً في بناء الإنسان وحماية المجتمع من الانحرافات الفكرية والتأثيرات السلبية التي خلفتها سنوات الحرب.
وتعمل الوزارة على تنفيذ برامج ومشاريع توعوية وتربوية تستهدف مختلف شرائح المجتمع، ولا سيما فئة الشباب، بهدف تعزيز الوعي الديني الرشيد، وترسيخ قيم الانتماء والاعتدال، وبناء شخصية متوازنة قادرة على التفاعل الإيجابي مع متغيرات العصر.
كما تحرص الوزارة على تعزيز التعاون والتنسيق مع المؤسسات الدينية والثقافية في الدول العربية الشقيقة، بما يسهم في تبادل الخبرات وصياغة خطاب ديني واعٍ ومحصّن، يحافظ على الهوية العربية والإسلامية، ويواجه التحديات الفكرية المعاصرة بروح منفتحة ومسؤولة.
وتؤمن الوزارة أن الاستثمار في الوعي هو الاستثمار الأهم لمستقبل المجتمعات، وأن بناء الإنسان فكرياً وثقافياً هو الأساس لأي عملية تنموية واستقرار مستدام.
بهذه الرؤية المستفيضة التي قدمها معالي وزير الأوقاف السوري، يتضح حجم المسؤوليات الملقاة على عاتق الوزارة في المرحلة المقبلة.
وبدورنا نتوجه بالشكر الجزيل لسيادة الوزير ولمكتبه الموقر على حسن التعاون وإتاحة الفرصة للإجابة عن تساؤلاتنا بكل شفافية ووضوح.