د. عبدالمحسن الرحيمي
مع كل بطولة لكأس العالم، تتغيَّر المنتخبات، ويتبدل اللاعبون، ويأتي مدربون ويرحل آخرون، لكن شيئًا واحدًا يبقى ثابتًا؛ هوية المدرسة الكروية. فالمتابع يستطيع أن يميز، في كثير من الأحيان، المنتخب الألماني قبل أن يرى شعاره، والمنتخب البرازيلي قبل أن يعرف أسماء لاعبيه، والمنتخب الياباني من انضباطه، والمنتخب الفرنسي من هدوئه التكتيكي. والسؤال الذي يستحق التأمل هو: لماذا تستمر هذه السمات رغم تغير الأجيال؟
الإجابة لا تبدأ في الملاعب، بل خارجها.
فالمدرسة الكروية ليست مجرد أسلوب لعب، ولا خطة تكتيكية يبتكرها مدرب، بل هي امتداد لمدرسة حضارية أوسع تشكلت عبر التعليم، والثقافة، والإدارة، والقيم الاجتماعية، وفلسفة إعداد الإنسان. ولهذا لا تُولد المدارس الكروية في الأكاديميات الرياضية وحدها، بل تُبنى أولًا في المدارس والجامعات والمؤسسات، ثم تظهر نتائجها في الملاعب.
وليس من قبيل المصادفة أن ترتبط المدارس الكروية الكبرى بمدارس فكرية وإدارية سبقتها. فالرياضة لا تنشأ في فراغ، وإنما تتشكل داخل البيئة الثقافية والتعليمية والمؤسسية التي تصنع الإنسان، ولذلك كثيرًا ما تعكس المدرسة الكروية جانبًا من المدرسة الحضارية للأمة.
فالمدرسة الألمانية لا تُختزل في الانضباط داخل الملعب، بل تعكس ثقافة مؤسسية تؤمن بالنظام، واحترام الأدوار، والعمل الجماعي. والمدرسة البرازيلية لم تبنِ شهرتها على المهارة الفردية وحدها، بل على ثقافة تمنح الإبداع مساحة للتعبير داخل إطار الفريق. أما المدرسة اليابانية، فقد أصبحت مثالًا على أن احترام النظام والانضباط لا يتعارضان مع الطموح، بل يشكلان أحد مصادره.
وهذا لا يعني أن كل لاعب يمثِّل ثقافة بلده، أو أن كل مباراة تعكس شخصية الأمة، لكنه يعني أن استمرار الأنماط نفسها عبر عقود، رغم تغير المدربين واللاعبين، يكشف عن وجود منظومة أعمق من نتائج مباراة أو بطولة؛ منظومة تنتج هوية رياضية مستقرة لأنها تستند إلى ثقافة مستقرة.
ولهذا لا يقتصر أثر المدرسة الحضارية على تشكيل اللاعب، بل يمتد إلى طريقة إدارة الرياضة نفسها. فاختيار المدربين، وبناء أكاديميات الناشئين، وتطوير الاتحادات، وإدارة الجماهير، والتعامل مع الإعلام، كلها تعكس فلسفة الدولة في الإدارة وإعداد الإنسان. فالرياضة، في نهاية المطاف، ليست قطاعًا منفصلًا عن المجتمع، بل إحدى مؤسساته الثقافية.
ومن هذا المنظور، يمكن قراءة التحول الرياضي الذي تشهده المملكة العربية السعودية بوصفه تحولًا في فلسفة الرياضة نفسها، وليس في حجم الاستثمار فيها فقط. فما يحدث اليوم يتجاوز استضافة البطولات أو استقطاب النجوم، إلى إعادة تعريف الدور الذي يمكن أن تؤديه الرياضة في بناء صورة الدولة وتعزيز حضورها الدولي.
لقد قدمت المملكة نموذجًا مختلفًا، ربط الرياضة بالترفيه، والسياحة، والاستثمار، والثقافة، والاقتصاد الإبداعي، ضمن رؤية وطنية واحدة. ولم تعد الفعالية الرياضية حدثًا ينتهي بإطلاق صافرة النهاية، بل أصبحت منصة اقتصادية وثقافية وإعلامية تعكس قدرة الدولة على إدارة تجربة متكاملة.
ولم يكن استقطاب أسماء عالمية مثل كريستيانو رونالدو، أو استضافة أكبر نزالات الملاكمة، أو تنظيم سباقات الفورمولا 1، أو بطولات التنس والغولف، هدفًا رياضيًا مستقلًا، بل جزءًا من بناء علامة وطنية جديدة تستخدم الرياضة بوصفها لغة عالمية تتجاوز الحدود والثقافات.
ولعل الصورة التي ارتدى فيها ليونيل ميسي البشت العربي أثناء مراسم تتويجه بكأس العالم كانت واحدة من أكثر الصور تداولًا في تاريخ البطولة. ففي لحظة شاهدها مئات الملايين، التقت كرة القدم برمز ثقافي عربي، لتتحول مناسبة رياضية إلى رسالة حضارية حملت الثقافة المحلية إلى جمهور عالمي دون خطابات أو حملات إعلامية.
كما وسعت المملكة هذا الأثر من خلال استضافة صناع المحتوى والمؤثرين من مختلف دول العالم، الذين لم ينقلوا نتائج المباريات فحسب، بل نقلوا تجاربهم مع المجتمع السعودي، وثقافته، وضيافته، وتنوعه، ليتحول الاحتكاك المباشر إلى أحد أكثر أدوات القوة الناعمة تأثيرًا. فالتجربة التي يعيشها الإنسان بنفسه تبقى أعمق أثرًا من أي رسالة إعلامية يشاهدها عن بُعد.
ومن هنا يمكن فهم مساهمة المدرسة السعودية للقيادة الواعية في قراءة هذا التحول. فهي تنظر إلى الرياضة باعتبارها جزءًا من المنظومة الحضارية للدولة، لا قطاعًا ترفيهيًا مستقلًا عنها. فالرياضة، وفق هذا المنظور، تصبح وسيلة لبناء الإنسان، وتعزيز الهوية الوطنية، وصناعة العلامة التجارية للدولة، وتوسيع دوائر التواصل بين الشعوب، ودعم الاقتصاد، وترسيخ الحضور الدولي في آن واحد.
وهذا يمثّل تطورًا في فهم وظيفة الرياضة. فبعد أن ارتبطت لعقود بتحقيق البطولات أو الترفيه، أصبحت اليوم أداة للسياسة العامة، وللدبلوماسية الثقافية، وللاقتصاد، وللقوة الناعمة. وعندما تُدار هذه العناصر ضمن رؤية واحدة، فإنها تنتج مدرسة رياضية تتجاوز حدود المنافسة إلى الإسهام في تحقيق الأهداف الإستراتيجية للدولة.
ولهذا، فإن السؤال الذي ينبغي أن يشغل الباحثين لم يعد: أي منتخب سيفوز بكأس العالم؟ بل: كيف استطاعت بعض الأمم أن تبني مدارس رياضية حافظت على هويتها لعقود، وما الذي تكشفه هذه المدارس عن فلسفة الدول في بناء الإنسان وإدارة المؤسسات وصناعة المستقبل؟
فالمنتخبات قد ترفع الكؤوس، لكن المدارس هي التي تصنع الأجيال. والبطولات قد تُحسم في تسعين دقيقة، أما المدرسة الحضارية التي أنتجتها، فتُبنى عبر عقود، وتبقى قادرة على إنتاج الإنجاز حتى عندما تتغير الأسماء، وتتبدل النتائج، وتتوالى الأجيال.