عبدالوهاب الفايز
ناقش مجلس الشورى في جلسته الأخيرة التقريرَ السنوي لـ(أكاديمية مهد الرياضية) للعام المالي 2025-2026، وأوصى بتعزيز التنسيق مع وزارة الرياضة والاتحاد السعودي لكرة القدم لمتابعة خريجي الأكاديمية واستكمال برامج ابتعاثهم وصقل مواهبهم. واهتمام المجلس بهذا الملف هو دعوةٌ لنا جميعاً -لا للحكومة وحدها- كي نعتني بكل ما يخدم منظومة الرياضة السعودية ويسهم في تطورها؛ فالرياضة ليست ألعاباً تُمارَس فحسب، بل هي أداةٌ مهمة لـ(التربية الوطنية)، وأثرها المباشر يمتد إلى الصحة العامة وجودة الحياة، وسمعة البلاد.
الأكاديميات الرياضية إحدى الخطوات المحورية نحو تحويل قطاع الرياضة إلى صناعة احترافية مستدامة، والتوسع في تأسيسها -أو تعزيز القائم منها- عمليٌّ وضروريٌّ. والجهود الحكومية في هذا المسار مستمرة، فيها النجاحات وفيها العثرات، وقد جاءت (رؤية السعودية 2030) ببرامج ومشاريع نوعية تضع الرياضة ركيزةً استراتيجية لتحسين جودة الحياة وزيادة المشاركة المجتمعية وتنويع الاقتصاد. ومن ثمرات ذلك أكاديمية مهد الرياضية التي أُنشئت بقرار مجلس الوزراء عام 1442هـ كمبادرة وطنية، وتُعد نموذجاً رائداً في هذا الاتجاه.
وتحويل الرياضة إلى (صناعة احترافية) يتطلب منظومةً متكاملة من البنية التحتية والاستثمار والتسويق وحقوق البث والرعايات والسياحة الرياضية. والأساس الحقيقي لهذه الصناعة مرهون بتوافر (مواهب محلية) عالية المستوى قادرة على المنافسة دولياً، وتساهم في تغذية الأندية والمنتخبات الوطنية.
ومن هنا تأتي أهمية التوسع في الأكاديميات، فهي مسارٌ ضروري لتطوير الموارد البشرية التي يقوم عليها القطاع؛ ومن أدوارها الأساسية منح العاملين فيه الشهادات العلمية والمهنية التي تؤهل للعمل المحترف. هذا سوف يوطّن الموارد البشرية الضرورية للصناعة حتى ترتفع قيمتها المضافة في الاقتصاد الوطني. وهذا المسار تسنده تجارب ناجحة في ألمانيا بنظام أكاديمياتها المرخّصة، وهولندا بنموذج أياكس، وقطر بأكاديمية أسباير، حيث صارت الرياضة قطاعاً اقتصادياً واجتماعياً مؤثراً.
بلادنا تحتاج بناء كوادرها الوطنية بدل الاعتماد المفرط على الخبرات الأجنبية في الإدارة والتسويق واستقطاب اللاعبين المكلفين مالياً؛ فالاقتصار على هذا المسار سوف يرفع التكاليف، ويحدّ من الاستدامة المالية، ويُبقي الكيانات الرياضية معتمدةً على المساندة الخارجية سواء في الأموال أو المواهب أو القيادات. قطاعُنا الرياضي لا يزال في طور النمو ولم تتأسس بنيتُه التحتية، كما هو الحال في الدول الأوروبية العريقة.
كما اشرنا، أثبتت الأكاديميات جدواها في الدول التي أخذت بها منذ عقود، فهي التي طوّرت رحلة الموهبة ونقلتها من ملاعب الحارات الشعبية إلى مؤسسات توفر الحد الأدنى الضروري من المتطلبات العلمية والمهارية، لا سيما ما يتصل بالصحة البدنية من غذاءٍ سليم ونومٍ كافٍ، وأدخلتها في مسار التفكير المنهجي لممارسة الرياضة وتخطيط العمل الجماعي واللعب بروح الفريق الواحد.
والأكاديميات التي حافظت على (روح اللعب الحر الشبابي في الأحياء السكنية) أثمرت مخرجاتها، لأن هذه الروح هي المدخل الطبيعي لبناء جيلٍ شغوف ويحب الرياضة ويبدع فيها؛ فثقافة الحارة توسّع مجال المخاطرة: لا قيود صارمة، بل لعبٌ ومتعة. وهذا المناخ المتسامح يشجّع على نمو المواهب وانطلاق المهارات.
وهذه ليست ملاحظةً انطباعية، فهناك السندٌ العلمي الذي يبرر أهميتها. المختصون بالرياضة يتحدثون عن نظرية اللعب المتعمّد (Deliberate Play)، التي صاغها عالم النفس الرياضي الكندي والتي تشير إلى الأنشطة الرياضية التي يصممها الطفل بنفسه لغرض المتعة والاستكشاف. تتميز هذه الأنشطة بقواعد مرنة، وتركز على الدافع الذاتي وتتجنب الضغط التنافسي المباشر. وهذه تختلف عن الممارسة الرسمية الاعتبارية المنظَّمة بإشراف مدرّب لغرض التحسين. اللعب المتحرر من الرسميات تربطه الأبحاث العلمية بإثره المباشر على نمو الإبداع والدافعية الذاتية، فالباعث هنا المتعةَ بالرياضة لا تحسين الأداء.
هناك باحثون، وفي تفسيرهم للإبداع، يرون أن البيئات غير التقليدية -بيئة الحارات القاسية- هي التي صنعت لاعبي المستوى العالمي مثل نجوم كرة القدم البرازيلية. والباحثون لهم وصف انيق مثير للتمييز بين منتجات الحارات ومخرجات الأندية والمؤسسات الرسمية. في دراسةٌ حديثة راجعت أكثر من خمسين بحثاً شملت 6000 رياضي بينهم نحو 70 من نخبة لاعبي العالم، خلصت الدراسة إلى التفريق بين (الجيل الأسطوري) وهم الذين نضجوا في الحارات، وبين (نجوم المرحلة) الذين دخلوا الرياضة من الأندية والأكاديميات، أي النضج المتخصص.
والشواهد الكروية تدعم هذا: فلاعب (الجينغا) البرازيلي بمراوغته الملتوية لم يُصنع في أكاديمية، بل وُلد على الشواطئ وفي أزقّة (الفافيلا) في الأحياء العشوائية، ومنه خرج بيليه وغارينشا ورونالدينيو ونيمار؛ وفي الأرجنتين صار (البوتريرو) - الأرض الخراب بين البيوت - بيئة متواضعة ولكن أنجبت مارادونا وميسي؛ وحين سُئل كرويف عن سرّ تفوق كرة القدم الهولندية أحال الأمر إلى (كرة الشارع) لا إلى المدرّب.
و(الجينغا) (Ginga) - كما تصفها المراجع الأدبية ـ هو أسلوب حركة إيقاعي ومهارة كروية برازيلية مستمدة من فنون الدفاع عن النفس (الكابويرا) في حارات الفافيلا البرازيلية، وهو أسلوب حياة ورمز للصمود، حيث يدمج بين الرقص، والمراوغة السلسة، والبهجة، مما يسمح للاعبين بالتغلب على الخصوم وإظهار إبداعهم في المساحات الضيقة. وهذا الفن القتالي الأفريقي- البرازيلي يعتمد فلسفة التمايل المستمر للجسم، ونقل الوزن بخفة، واستخدام الخداع. بمرور الوقت، انتقلت هذه الحركات إلى كرة القدم لتصبح مرادفاً لـ «اللعب الجميل» (Jogo Bonito) الذي اشتهر به نجوم البرازيل مثل بيليه وجارينشيا. وهكذا أصبحت الحركات في الأزقة الضيقة والمنحدرات الوعرة للـ «فافيلا»، والمساحات الضيقة -حيث لا توجد ملاعب نظامية- تُجبر الشباب على تطوير مهارات استثنائية، وسرعة بديهة، وقدرة على التحكم بالكرة في أصعب الظروف.
المفارقة ان الدول الكروية الاوربية الكبرى تشكو اليوم، على ألسنة مدرّبيها، أن اختفاء كرة الشارع بفعل التمدّن وثقافة السلامة المفرطة وابتلاع الأكاديميات الرسمية الصارمة للّعب الحر صار يُنتج لاعبين متقنين متشابهين، قلّ بينهم (العبقري الموهوب) الذي كانت تفرزه فوضى الحيّ الخلّاقة. وهكذا بدأت تفقد المباريات اللعب النظيف الجميل الممتع.
وما ينبغي أن نستحضره ونحن نستشهد بتجارب الدول أن (لعب الحواري) الذي تتحدث عنه كان -إلى وقت قريب- واقعاً سعودياً معتاداً. فاللعب في الحواري كان جزءاً من نسيج حياتنا اليومية في المدن والقرى. كانت تتشكّل فيها الفرق تلقائياً بعد صلاة العصر، حيث تُخاض المباريات على الأرض الترابية، والمرمى عادة من حجرين، أو من أخشاب الأثل التي غالبا لا تصمد مع الركلات القوية!
في هذه البيئة الحرة تتربّى المهارات والتحمل وروح المنافسة، ومن رحم الحواري هذه خرج كثيرٌ من نجوم كرتنا الأوائل. بل إن روّاد الرياضة في المملكة، ومنهم الأمير عبدالرحمن بن سعود وعبدالرحمن بن سعيد -رحمهما الله- وغيرهم، عُرف عنهم أنهم كانوا يستقطبون المواهب بمراقبة اللعب في الحواري بأنفسهم، حيث يرون الموهبة في مهدها الطبيعي، ويأخذون بيدها إلى الأندية. أي أن الكشف عن الموهبة في تربتها الشعبية كان تقليداً سعودياً أصيلاً سبق الأكاديميات؛ ومهمة الأكاديمية اليوم أن تَصِل هذا الإرث عبر إنشاء (مراكز الاحياء) واستثمار مباني المدارس المنتشرة في الاحياء السكنية في مختلف المناطق. ليس لدينا مشكله في الإمكانات. مشكلتنا بعدم القدرة على المبادرات النوعية. فتش عن الادارة!
ثم هناك ميزة أخرى لانتشار مثل هذه المراكز الرياضية. ستكون حاضنة تساعد المجتمع والأجهزة الأمنية على إشغال وحفظ المراهقين والشباب بما ينفعهم، وأبعادهم عن المخاطر المعاصرة للأحياء السكنية.
اخيرا نقول ان للقطاع الرياضي منحنى نضجٍ طبيعي لا يُطوى بإنفاق المال الوفير وحده: تشجيع القاعدةٌ الشعبية الحرّة هي بذور الأنشطة الرياضية، ثم وضع البنيةٌ التي تصقلها وتطلقها؛ وقلبُ هذا الترتيب يجعل الرياضة جسداً بلا روح. عودة القاعدة الشعبية لتغذية الرياضة في العالم ربما تكون ضرورة لحمايتها من تطرف النشاط التجاري الذي عادة عينه على الأرباح أولا.. ثم تأتي حسابات الموهبة والإبداع!
المتابعون لمباريات كاس العالم الحالية يلاحظون كيف اثرت المغريات المالية السخية وطلب النجومية على مستوى الأداء الرياضي، فقد خلت المنافسات من اجواء الإبداع الرياضي المشعلة للمنافسات السابقة التي حظيت بالنجوم الأساطير الذين خرجوا من حارات الفقر المدقع، وربما اللاعب الأرجنتيني ميسي هو آخر هؤلاء!