(وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ).
رحمك الله يا أبا محمد، رحمةً تتنزّل عليك بردًا وسلامًا، وتغشاك من واسع فضله ورضوانه، فما كان يوم الجمعة الثامن عشر من محرم سنة 1448 للهجرة، الموافق للثالث من يوليو سنة 2026م، يومًا عابرًا في سجل الأيام، ولا حادثًا يمر كما تمر الحوادث في حياة الناس، بل كان يومًا انصدع فيه ركن من أركان الود، وانطفأ فيه مصباح من مصابيح المروءة، وغاب فيه وجه من الوجوه التي كانت إذا حضرت حضر معها الصفاء والبِشر وحسن المعشر.
لقد غادرنا فيه رجل من أنبل الرجال وأكرمهم عنصرًا، وأصفاهم سريرة، رجلٌ لم تكن قيمته في جاهٍ يتكئ عليه، ولا في مالٍ يفاخر به، وإنما كانت قيمته في نفسه؛ في أخلاقه، وفي معدنه، وفي تلك الروح النقية التي قلّ أن يجود الزمان بمثلها.
غادرني أقرب أصدقاء العمر إلى قلبي، وأحبّهم إلى نفسي، ذلك الرجل الذي ما لقيته يومًا إلا وجدته ضاحك الثغر، طلق المحيا، يشيع التفاؤل حيث حلّ، كأن الابتسام خُلِق له، وكأن البشر بعض ملامحه الثابتة التي لا تفارقه.
ذلكم هو أخي وصديقي وحبيبي، الأستاذ سليمان بن عبد العزيز العقيل، رحمه الله رحمة واسعة، وأسكنه فسيح جناته.
وأنا، بعد أربعة عقود من الصحبة التي تكاد تكون يومية، أقف اليوم حائر العبارة، عاجز البيان، لأن الكلمات -مهما سمت جزالتها، وارتفعت بلاغتها- تبقى أقصر من أن تُحيط برجل اجتمعت فيه خصال الفضل كما تجتمع الأنهار في مصبّ واحد. لقد كان رجلًا أجمع الناس على مودته، لا لأنه طلب محبتهم، بل لأن النفوس السوية تنقاد بطبعها إلى أمثال هذه الأرواح الكريمة.
ما رأيته يومًا أساء إلى أحد، ولا سمعته يذكر إنسانًا بسوء، حتى من ناله بأذى أو جفاه في معاملة. كان عفيف اللسان كما كان عفيف اليد، متواضعًا تواضع الواثق بنفسه، لا تواضع المتكلف المتصنع. وإذا رأيته بين الناس حسبته واحدًا منهم، لا يميّز نفسه عليهم، ولا يتعالى عليهم بقول أو هيئة، مع أن له في القلوب منزلةً لا يجهلها أحد ممن عرفه.
وكان كريم النفس إلى حدٍّ يجاوز حدود المألوف، يعطي كأن العطاء متعة له، ويُكرم كأن الكرم بعض واجبات الفطرة فيه، حتى ليخال المرء أن الله حبّب إليه قضاء حوائج الناس كما حبّب إلى غيره طلب الراحة والدعة.
ولقد كان مجلسه -ذلك المجلس العامر بالمودة والألفة- مقصدًا للزائرين، لا يكاد يخلو من صاحب حاجة، أو طالب أُنس، أو راغب حديث، حتى في أيام مرضه الأخيرة التي أنهكت جسده ولم تنل من روحه ولا من بشاشته شيئًا.
كان -رحمه الله- غنيًّا وإن لم تُحصِ خزائنُه الأموال، لأن الغنى الحقيقي غنى النفس، وكان وجيهًا وجاهةً لا تستند إلى منصب، ولا تستمد سلطانها من كرسي أو لقب، بل من ذلك الرصيد العظيم الذي ادّخره في قلوب الناس بمحبة صادقة واحترام خالص. ولقد رأيت في حياتي كثيرًا من أصحاب المال والجاه، ولكن قليلًا منهم من حاز ما حازه أبو محمد من قبولٍ في النفوس، ومكانةٍ في القلوب، وهي منزلة لا تُشترى بمال، ولا تُنال بتكلّف.
وكان اسمه يتردد في الحي وبين الناس تردد الذكر الطيب الذي يسبق صاحبه، حتى غدا مثالًا للرجل الذي رفعته أخلاقه قبل أن ترفعه الظروف، وزكّته مروءته قبل أن تزكّيه الألقاب. فما ارتفع عند الناس بمالٍ جمعه، ولا بمنصب تقلّده، وإنما ارتفع بخلقه الكريم، وصدقه، وصفاء سريرته.
وإلى زوجته الكريمة، السيدة الفاضلة التقية أم محمد، فإن الكلمات -مهما بلغت من الوفاء- تبقى عاجزة عن إنصاف ما قدمتِه لهذا الرجل النبيل في مسيرة حياته الطويلة. لقد كنتِ له نعم الزوجة، ونعم السند، ونعم الرفيقة التي تشارك زوجها أفراحه وأتراحه، وتقف معه في ساعات العافية كما تقف معه في ساعات الابتلاء.
لقد كنتِ مثالًا للمرأة الأصيلة التي لا تغيرها النوائب، ولا تزعزعها المحن، فكنتِ في حياة أبي محمد شريكة وفاء لا شريكة أيام رخاء فحسب. وقفتِ معه في مراحل مرضه المتعددة وقفة الصابر المحتسب، مذ أصابه المرض الخبيث في ريعان شبابه، ثم ما تتابع عليه بعد ذلك من أسقام وأوجاع أثقلت الجسد، ولم تُثقل روحه المؤمنة الراضية. وكنتِ - في كل تلك المراحل - البلسم الذي يخفف آلامه، والقلب الرحيم الذي يحتوي تعبه، والوجه المطمئن الذي يبعث في نفسه السكينة والرضا.
وما أعظم أثر الزوجة الصالحة في حياة الرجل حين تشتد عليه الخطوب، وما أجلّ منزلة الوفاء حين يتحول إلى صبر وعطاء يومي لا يعرف الملل ولا الضجر. فجزاكِ الله خير الجزاء، وأحسن لكِ العزاء، وربط على قلبك بالصبر والرضا، وجعل ما قدمتِه له في ميزان حسناتك، وكتب لكِ أجر الصابرين المحتسبين.
وإلى أبنائه البررة، فإن والدكم - رحمه الله - لم يكن رجلًا عابرًا في حياة الناس، بل كان مدرسةً في مكارم الأخلاق، ومثالًا في التدين الصادق، والكرم، وحسن المعشر، وبذل المعروف. وقد ترك لكم من بعده إرثًا ليس قوامه المال وحده، وإنما قوامه السمعة الطيبة، والمحبة الصادقة في قلوب الناس، والثناء الحسن الذي قلّ أن يجتمع لرجل كما اجتمع له.
وإن أعظم ما يورثه الآباء للأبناء ليس العقار ولا المال، وإنما الذكر الحسن والسيرة العطرة، وقد ترك لكم والدكم من ذلك كنزًا عظيمًا، يعرفه كل من خالطه أو عرفه أو جاوره. وأنتم -بحمد الله- رجال أفاضل، تبدو فيكم آثار تلك التربية الكريمة، فاحرصوا على أن تقتدوا بسيرته، وأن تنهجوا نهجه في حسن الخلق، والتواضع، وصلة الناس، وبذل الخير، فإن في ذلك أوفى صور البر به بعد رحيله، وفيه - كذلك - نجاح لكم في دينكم ودنياكم، وتوفيق من الله لا يناله إلا من سار على طريق الصالحين.
وإلى أخي وحبيبي أبا محمد أقول: إني -والله- عاتب عليك عتب المحب الذي أثقله الفقد، وأوجعه الرحيل، فليس من عادتك منذ عرفتك أن تتخذ أمرًا جللًا دون أن تخطرني به، ولا أن تمضي في شأنٍ عظيم إلا بعد مشورةٍ أو حديثٍ أو رأي نتبادله كما اعتدنا طوال هذه العقود من الصفاء والوفاء.
لقد كنتَ - يا أبا محمد - موضع مشورتي في كثير من خطوات حياتي، فما قصدتك يومًا إلا وجدت عندك الرأي المستنير، والنصيحة الصادقة التي لا يشوبها هوى، ولا يخالطها تكلّف. وكم من أمرٍ التبس عليّ فجلّيته بحكمتك، وكم من موقف أثقلني فخففته بكلماتك الهادئة، حتى غدوت في حياتي أخًا وصديقًا وناصحًا أمينًا، لا أتصور الأيام من دون حضوره.
فلماذا - أيها النبيل الوفي - اتخذت هذا القرار العظيم بالرحيل الأبدي دون أن تؤذنني به؟ وكيف مضيت إلى سفرٍ لا عودة بعده من غير أن تترك لنا فرصةً نتشبث فيها بك أكثر، أو نؤجل فيها لحظة الفراق قليلًا؟
ألَم تكن - وأنت الذي عُرفت بالوفاء - قاسيًا علينا هذه المرة؟ قاسيًا على قلوب أحبتك، وألفت حضورك، واستأنست بوجهك البشوش وحديثك العذب؟ لقد رحلت فجأةً كأنك انتزعت جزءًا من أرواحنا معك، وتركت في القلب جرحًا غائرًا لا يندمل بسهولة، وفراغًا موحشًا لا يملؤه أحد.
غير أننا -رغم مرارة العتب- لا نملك إلا الرضا بقضاء الله، فالموت حق، والخلود لله وحده، وإنما هي مشاعر المحبة حين تعجز عن احتمال الفقد، فتعاتب من تحب وهي تعلم أنه مضى إلى رحمة أرحم الراحمين.
وفي آخر أيامه كان من أجمل ما جمعنا به ذلك الاجتماع الدوري الذي اصطلحنا على تسميته بـ«اجتماع الفول»، على سبيل الدعابة المحببة، لأن الفول كان يفترض أن يكون الطبق الرئيس فيه، غير أن الموائد العامرة والذبائح كانت تزيحه دائمًا عن مكان الصدارة. وكان أبو محمد -رحمه الله- يردد ضاحكًا عبارته الشهيرة: «الفول المُفترى عليه»، فتتعالى الضحكات وتصفو المجالس.
وكان -رحمه الله- من أشد الناس حرصًا على هذا اللقاء، محافظةً عليه، ودعوةً إليه، وإيمانًا منه بقيمة الألفة بين الأصحاب والأقارب. وحين اشتد به المرض في أشهره الأخيرة، كان يتحامل على أوجاعه ليحضر، مع أنه لم يعد يستطيع تناول الطعام لظرفه الصحي، لكنه كان يرى في اللقاء غذاءً للروح يغنيه عن غذاء الجسد.
وقبل شهرين من وفاته، حاولنا أن نتجاوز دوره في الاستضافة رحمةً بحاله، وإشفاقًا عليه من عناء الإعداد، فأبى إلا أن نستجيب لدعوته، وأصرّ على إقامة المائدة بنفس الرضا المعهود عنه. وحين حضرنا صُدمنا بما آل إليه وضعه الصحي، غير أنه استقبلنا بوجهه المشرق، وروحه المطمئنة، وابتسامته التي لم تفارقه حتى في أشد ساعات المرض. ولم يستطع يومها أن يجلس معنا على المائدة، فأجّلنا الدور التالي مراعاةً لظرفه.
ثم شاء الله أن تتحسن صحته قليلًا بعد ذلك، فبادر صديقنا الفاضل المهندس مساعد الصايغ إلى إقامة المائدة التالية، فحضر أبو محمد، وجلس معنا، وتحدث، ومازح الحاضرين، فعادت إلى نفوسنا بشائر الطمأنينة، وظننا أن العافية قد بدأت تسترد عافيتها فيه، ولكنها -ويا لقسوة الحقيقة- كانت آخر مرة نراه فيها معافى بيننا في هذه الدنيا الفانية.
فما هي إلا خمسة أيام حتى انتقل إلى رحمة الله، ولم نره بعدها إلا على سرير المرض في المستشفى، وقد أثقلته العلة، ودخل في غيبوبة طويلة، كأنما حضر ذلك اللقاء الأخير ليودّعنا مودّعًا هادئًا، لا يريد أن يرحل قبل أن يلقي على أصحابه نظرة الوداع الأخيرة.
رحمك الله يا أبا محمد، فلقد كنت من أولئك الرجال الذين إذا رحلوا شعر الناس أن شيئًا من مكارم الزمن قد رحل معهم، وأن فراغًا لا يملؤه أحد قد خُلّف وراءهم. وسيبقى ذكرك ما بقي فينا وفاء، وما بقي في القلب متسع للود، وما بقي للأيام بقية من ذاكرة تحفظ للرجال الأوفياء جميل صنيعهم وطيب أثرهم.
رحمك الله رحمة الأبرار، وجزاك عن أهلك وأصحابك ومحبيك خير الجزاء، و(إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ).
** **
- محمد بن عبدالعزيز الرشيد