نواف بن عبد العزيز آل الشيخ
لم تعد وسائل التواصل الاجتماعي تسرق أوقاتنا فقط، بل بدأت تسرق منّا شيئاً أهم؛ حضورنا الحقيقي في الحياة!
أصبحنا نعرف أخبار الغرباء، ونجهل أحياناً ما يدور في نفوس أحبابنا والقريبين منّا، ونتابع تفاصيل أشخاص لا نعرفهم، بينما تمر أمامنا لحظات ثمينة مع من نحب دون أن نمنحهم ما يستحقون. لا أحد ينكر ما قدمته هذه الوسائل من فوائد كبيرة، فقد قرّبت المسافات، وسهّلت التواصل، واختصرت كثيراً من الوقت والجهد، لكنها في المقابل وبصراحة أعادت تشكيل علاقاتنا بطريقة لم ننتبه إلى آثارها إلا متأخرين..
أصبح اللقاء أقصر، والحديث أقل، والانشغال أكبر، حتى بات بعضنا يجلس بين أهله وأصدقائه بجسده، بينما يعيش بعقله في مكان آخر وربما يكون في العالم الموازي..
المشكلة حقيقة ليست في التقنية، بل في المساحة التي سمحنا لها بأن تحتلها من حياتنا حين يصبح الهاتف أول ما نراه في الصباح وآخر ما تتلقفه أعيننا قبل النوم، وحين تتحول المجالس إلى أجساد صامتة وعيون معلقة بالشاشات، فإننا لا نستخدم التقنية بقدر ما نسمح لها بأن تستخدم وقتنا ومشاعرنا وعلاقاتنا.
لقد أصبح من السهل أن يستغني الإنسان عن لقاء رفاقه برسالة، وعن السؤال باتصال سريع، وعن الجلسة الطويلة بتفاعل عابر.. ومع مرور الوقت، تضعف العلاقات دون خلاف، وتبرد المشاعر دون خصام، ويبتعد الناس عن بعضهم لا لأنهم لم يعودوا يحبون بعضهم، بل لأن الشاشات أخذت مكانهم شيئاً فشيئاً، وملأت ذلك الفراغ وبكل أسف نحن من سمحنا بذلك.. ولعلّ أكثر ما يدعو للتأمل أننا أصبحنا حريصين على توثيق اللحظة أكثر من الاستمتاع بها!
نبحث عن الصورة المناسبة، والعبارة الأجمل، والتفاعل الأكبر، بينما تضيع من بين أيدينا حقيقة اللحظة وجمالها.. وما لا ندركه أحياناً أن بعض اللحظات لا تتكرر، وبعض الوجوه قد لا تبقى، وبعض المجالس التي نؤجلها اليوم قد نشتاق إليها غداً فلا نجدها.
ما أعنيه هنا ليست دعوة إلى مقاطعة وسائل التواصل أو رفض التقنيات الحديثة، فذلك أمر مُحال ولا يتناسب مع واقع الحياة، وإنما هو دعوة إلى التوازن والتصرف بوعي وحكمة بمعنى أن يكون لكل شيء وقته، وأن نعرف متى نضع الهاتف جانباً، ومتى نصغي وننصت بجوارحنا لمن يحدثنا، ومتى نعيش اللحظة كما هي دون أن ننشغل بإثبات أننا عشناها فقط.
الحياة الحقيقية لا تُقاس بعدد المشاهدات، ولا بحجم الحسابات ومتابعينها، ولا بعدد الصور المحفوظة في الهواتف، بل بالأشخاص الذين شاركونا أيامنا وكانوا زينة لها، وبالأحاديث التي بقي أثرها، واللحظات التي رسخت في الذاكرة ولن تطويها صفحات الأيام..
نحن لا نخسر الوقت فقط حين نبالغ في استخدام وسائل التواصل، بل قد نخسر معه رفقة، وذكرى، وموقفاً جميلاً، وربما جزءاً من أعمارنا لا يمكن استعادته..
لذلك، علينا أن نتذكر دائماً أن لكل شيء وقته، وأن أجمل ما في الحياة ليس ما نعرضه للآخرين أو نشاهده، بل ما نعيشه بصدق مع من تزينت بهم الحياة وعشنا معهم «فاللحظات تمضي سريعاً، وإذا مضت فلن تعود».