«الجزيرة» - أحمد الأسمري:
في يوليو 1949، كان العالم قد خرج لتوّه من حرب كبرى بدّلت خرائطه وموازين قواه، ومهدت الطريق أمام موجة استقلال واسعة في العالم الثالث، فيما أخذت الدول الناهضة تبني مؤسساتها وتبحث عن صوت يعبّر عنها أمام شعوبها والعالم.
في ذلك الزمن، امتلك الراديو نفوذاً هائلاً. عبره تصل الأخبار والخطب والأفكار، وتتشكل صورة الدولة، وتدخل الرسالة السياسية والثقافية إلى البيوت.
وفي المملكة، بدأت فكرة إنشاء الإذاعة باقتراح من ولي العهد حينها الأمير (الملك) سعود بن عبد العزيز، الذي عرضها على والده الملك المؤسس عبد العزيز، فوافق عليها، وكلّف وزير المالية عبدالله السليمان الحمدان بتنفيذها، بإشراف من الأمير (الملك) فيصل، نائب الملك في الحجاز.
وفي يوليو 1949، قبل سبع وسبعين سنة، أصدر الملك عبد العزيز مرسوماً وضع الإطار العام للإذاعة السعودية.
واللافت في المرسوم أنه تجاوز مسألة إنشاء محطة وأجهزة إرسال إلى وضع مبادئ للعمل الإعلامي نفسه، قوامها الصدق والأمانة والواقعية والموضوعية، والبعد عن الشتائم والتعريض والمبالغة في المدح، مع العناية بالقرآن الكريم والمواعظ والشؤون الدينية، ما دل على نظرة مبكرة إلى الإعلام باعتباره مسؤولية ورسالة.
وفي الأول من أكتوبر من العام نفسه، الموافق يوم عرفة، بدأ الإرسال المنتظم من إذاعة جدة، وحملت بدايات البث كلمة للملك عبد العزيز ألقاها نيابة عنه ابنه فيصل، رحبت بحجاج بيت الله الحرام وهنأتهم بأداء المناسك.
اتسعت البرامج وساعات الإرسال، ثم دخلت الرياض خريطة البث الإذاعي عام 1965، وفي يوليو من العام نفسه افتتح التلفزيون السعودي بثه الرسمي من الرياض وجدة، لتدخل الصورة إلى جانب الصوت في مرحلة جديدة من تاريخ الإعلام الوطني.
وتوالت المحطات ذات الرسائل المتخصصة تباعاً، فظهرت «صوت الإسلام» من مكة المكرمة، وعُرفت لاحقاً باسم «نداء الإسلام»، ثم انطلقت إذاعة القرآن الكريم من الرياض، واتسع البث السعودي الموجه إلى الخارج بلغات متعددة.
كان مهماً أن يحمل الصوت الإعلامي هوية البلاد ورسالتها، ويرتبط منذ بداياته بالتمسك بالدين القويم ومنهج الدولة المستقيم.
مرت العقود، وتطورت الإذاعة والتلفزيون الرسميان، وفي مسار مختلف ظهر ثقل سعودي واسع في صناعة الإعلام العربي الخاص.
عام 1991 انطلقت MBC من لندن كقناة فضائية مستقلة، ثم ظهرت شبكة ART عام 1993، ودخلت «أوربت» المشهد الفضائي في 1994.
ثلاث تجارب مختلفة في الشكل والمضمون، لكنها عكست حضور رأس المال والخبرة السعودية في صناعة الإعلام العابر للحدود.
وخلال التسعينيات وما بعدها، أصبح للسعوديين ثقل واضح في الفضاء الإعلامي العربي. توسع الحضور في الأخبار والدراما والرياضة والترفيه، واشتدت المنافسة على المحتوى وحقوق البث والجمهور العربي.
وبين مرسوم الملك عبد العزيز عام 1949 وعصر الفضائيات مسافة طويلة من الزمن والتحولات، لكن العودة إلى الماضي تكشف قيمة الخطوة الأولى.
فبعد أن وحّد الملك عبد العزيز أجزاء البلاد، أدرك أهمية أن يصل صوتها إلى الناس، وأن يقوم هذا الصوت على إطار واضح من المسؤولية والوعي برسالة الوطن.
رحلة انطلقت عبر موجات جدة، واتسعت عبر إذاعات المملكة وشاشاتها، ثم مضت بقطاعيها الرسمي والخاص، إلى مساحة أرحب في فضاء الإعلام العربي.
كانت البداية مشروع إذاعة، أما جوهر الفكرة فكان أعمق، وهو أن يكون للبلد صوته المسموع.