د. عبدالحليم موسى
كان أبو يوسف يخرج من وطنه وهو يحمل يقيناً بسيطاً؛ سنوات قليلة ثم يعود، وكان يظن أنّ الغربة محطة، لا مصيراً وأنّ حقائبه ستبقى نصف مغلقة انتظاراً ليوم العودة، لكن الزمن لا يسير كما يرسمه الحالمون؛ فكل عام كان يفتح باباً إلى بلد جديد، وكل مدينة كانت تؤجل الوعد القديم، حتى أصبح الوطن ذكرى بعيدة، وأصبحت العودة فكرة أكثر منها موعداً.
ومع مرور الأعوام، أخذت تفاصيل الطفولة تتلاشى من ذاكرته كما تتساقط أوراق الخريف، إذ لم يعد يتذكر رائحة الحي، ولا ملامح المدرسة، ولا ضحكات إخوته، ولا صوت والديه عند المغيب، وحين يغمض عينيه ليبحث عن الطريق المؤدي إلى البيت، لا يجد إلا ضبابا كثيفاً صنعته سنوات الاغتراب.
شيئاً فشيئاً اتخذ من أصدقائه أهلاً، ومن المنافي أوطاناً مؤقتة، ثم دائمة؛ فقد شهد رفاقاً تزوجوا في الغربة، وآخرين ماتوا فيها، ودفنوا في تراب لم يعرف أسماء أجدادهم، وكبر أبناؤهم وهم يظنون أنّ الأرض التي ولدوا عليها هي الوطن كله، وأنّ الحكايات التي يرويها الآباء عن البلاد الأولى ليست إلا ذكريات بعيدة.
ثم جاء الأحفاد... الجيل الثاني، فالجيل الثالث، وقد تغيّرت اللهجات، واختلطت اللغات، وأصبحت العربية ضيفاً خجولاً في البيوت، وأحياناً غريبة عنها، فصار بعضهم يترجم لأبيه، ويشرح لجده معنى الكلمات التي كانت يوماً لسان العائلة، وما أقسى أن يحتاج الإنسان إلى مترجم ليفهم أبناءه.
ومنهم من مضى أبعد، مهاجراً إلى أوروبا أو أمريكا، حيث يلتقي أبناء المنافي في زحام المهاجرين، يحمل كل واحد منهم قصة وطن تركه، ووطن لم يستطع أن يصنعه كاملاً؛ هناك في الغربة يصبح اللقاء بين أبناء البلد الواحد مناسبة لاكتشاف ما بقي من الذاكرة، لا لاستعادتها.
ولعل الأدب والفن معاً يرويان بعض وجوه هذه المأساة، فقد عاش الأديب السوداني الطيب صالح سنوات طويلة خارج وطنه، وجعل من الغربة مادة لأدبه وتأملاته، حتى أصبحت أعماله مرآة لصراع الإنسان بين الجذور والمنفى وهو من كتب روايته المشهورة «موسم الهجرة إلى الشمال» فهاجر شمالاً حتى وصل بريطانيا وفيها استطاب له العيش فيها، وتزوج من سيدة إنكليزية، فنشأت بناته بين ثقافتين، وقد حاول بعض أقاربه الارتباط بهن، غير أنّ الفجوة التي صنعتها سنوات الغربة بين العادات والتقاليد وأنماط الحياة كانت أوسع من أن تجسر بسهولة، وكأنّ الزمن أعاد تشكيل الهوية على نحو مختلف.
كما عاش طه حسين، عميد الأدب العربي، جانباً مهماً من حياته في فرنسا، وبعد رحيله عادت زوجته الفرنسية إلى موطنها، ومضت حياة أسرته داخل المجتمع الذي نشأت فيه، وتزوجت بناته من غير العرب، حتى أصبح اللسان العربي أقل حضوراً في الأجيال اللاحقة. وهكذا تمضي الحياة، لا وفاء ولا جحوداً، وإنما لأنّ الزمن يعيد تشكيل الانتماءات بصمت.
ولم يكن الأدب وحده من وثق هذا الوجع، بل إنّ الفن التشكيلي أيضاً عبر عنه بعمق؛ ففي إحدى لوحاته على شواطئ مرسيليا، جسد الفنان التشكيلي السوداني محمد حسين المهاجر وهو يذوب تدريجياً في ثقافة المجتمع الجديد، حتى تتلاشى ملامح هويته الأولى، ولم يكن البحر في اللوحة مجرد ماء يفصل بين وطنين، بل كان رمزاً للزمن الذي يغسل الذاكرة موجة بعد أخرى، فتغدو اللغة والعادات والانتماء ظلالا باهتة، كما تتراجع صلة الأبناء والأحفاد بأوطان الآباء جيلاً بعد جيل؛ وهكذا التقت رسالة الطيب صالح، وتجربة طه حسين، ورؤية محمد حسين الفنية لتؤكد جميعها أنّ أخطر ما تفعله الغربة ليس الابتعاد عن الوطن، بل التلاشي البطيء للهوية والذاكرة، حتى يصبح الوطن ذكرى أكثر منه واقعاً، والحنين ميراثاً يحمله الآباء، بينما يصنع الأبناء أوطانا جديدة.
إنّ هذه الصورة ليست عن مرسيليا وحدها، بل عن كل مرفأ احتضن مهاجراً، وعن كل إنسان وجد نفسه معلقاً بين وطن لم يعد قادراً على العودة إليه، ووطن جديد لم يستطع أن يمنحه شعور الانتماء الكامل. إنها لحظة فلسفية موجعة، يصبح فيها الإنسان حاضراً بجسده، غائباً بروحه، يحمل جواز سفر جديداً، لكنه يفتش في أعماقه عن ملامح وجهه الأول وهو وطنه فلا يكاد يعثر عليه. ولعل أشد أوجاع التلاشي لا تظهر في المسافات التي تفصل بين البلدان، بل في الضمير الإنساني حين يبدأ بفقدان مرجعياته الأولى، فالهوية ليست وثيقة تحمل في الجيب، ولا اسماً يكتب في جواز السفر، بل هي لغة وذاكرة وقيم وصوت الأم، ورائحة البيت الأول، وحين يطول الاغتراب يبدأ الإنسان في التنازل عن أجزاء من هذه الهوية دون أن يشعر، حتى يصبح السؤال الأكثر إيلاماً: من أنا بعد كل هذا التلاشي؟
وقد عبرت الفيلسوفة الفرنسية سيمون فايل عن هذه الحقيقة بقولها: «التجذر هو أهم حاجات الروح الإنسانية، وربما أكثرها تعرضاً للإهمال». كما لخص المفكر الفلسطيني إدوارد سعيد مأساة المنفى بقوله: «المنفى من أشد المصائر إثارة للحزن؛ فهو الشرخ الذي لا يمكن رأبه بين الإنسان ووطنه».
وهكذا لم يعد أبو يوسف فرداً بعينه، بل أصبح رمزاً لكل مغترب خرج وهو يعد نفسه بالعودة، فإذا به يعود غريبا، أو لا يعود أبداً. فالغربة لا تسرق الأعمار فقط، بل قد تسرق الذاكرة، واللغة والملامح والهوية. وربما كان أشد أنواع الفقد ألماً أن يظل الإنسان حياً، بينما يتلاشى وطنه من داخله، ويتلاشى هو من ذاكرة وطنه. وعندئذ لا يكون المنفى مكاناً على خارطة العالم، بل يصبح وطنا خفيا يسكن الروح، ويتركها معلقة بين أرض غادرها، وأرض لم يستطع أن ينتمي إليها، وبين ماض لا يعود، ومستقبل لا يعرف اسمه الأول.
إنّ أوجاع التلاشي لا تكمن في الغربة وحدها، بل في ذلك الصمت الذي يسبق اختفاء الذاكرة، وفي ذلك الخيط الرفيع الذي ينقطع بين الإنسان وجذوره دون أن يشعر. وما أشد قسوة أن يكتشف المرء، بعد عمر طويل، أنّ الوطن الذي خرج منه يوما ما زال ينتظره، بينما هو لم يعد يعرف الطريق إليه، ولا الطريق إلى نفسه.