«الجزيرة» - وائل العتيبي:
لم يعد الإرث الثقافي السعودي يُصان عبر التوثيق أو المتاحف وحدها، بل بات يُعاد إنتاجه داخل القاعات الدراسية، ويُقدَّم بوصفه علمًا وفنًا ومجالًا مهنيًا متكاملًا. ومن هنا تبرز أهمية إطلاق الدبلوم المشارك في الأداء الحركي بكلية الفنون الأدائية التابعة للمعهد الملكي للفنون التقليدية «وِرث»، باعتباره خطوة تعكس مرحلة جديدة في مسار الفنون السعودية؛ مرحلة تنتقل فيها الرقصات التقليدية من الذاكرة الشفوية إلى المناهج الأكاديمية، ومن العروض الاحتفالية إلى صناعة ثقافية قائمة على المعرفة والاحتراف.
ولا ينطلق البرنامج من فكرة تعليم الحركات أو تدريب الدارسين على أداء الرقصات الشعبية فحسب، بل يعيد قراءة الأداء الحركي بوصفه أحد تجليات الهوية الوطنية، ولغة ثقافية تختزن تاريخ المجتمعات السعودية، وتحمل في تفاصيلها ملامح البيئة والعادات والقيم، وتترجم علاقة الإنسان بأرضه ومجتمعه عبر الحركة والإيقاع والإيماءة.
ويأتي إطلاق هذا الدبلوم في وقت يشهد فيه القطاع الثقافي السعودي توسعًا غير مسبوق، مع تنامي المهرجانات والعروض المسرحية والإنتاجات الأدائية، الأمر الذي أوجد حاجة متزايدة إلى كوادر وطنية تمتلك تأهيلًا أكاديميًا متخصصًا، يجمع بين أصالة الفنون التقليدية وأدوات الأداء الحديثة، بما يواكب التحول المتسارع الذي تشهده الصناعات الثقافية والإبداعية في المملكة.
ويمتد البرنامج عامًا أكاديميًا كاملًا موزعًا على فصلين دراسيين، ويبدأ في سبتمبر 2026، ويُقام في مقر «ورث» بالرياض، ويستهدف الحاصلين على شهادة الثانوية العامة أو ما يعادلها، ضمن دراسة صباحية مخصصة للرجال في هذه المرحلة.
وتتجلى خصوصية البرنامج في شراكته الأكاديمية مع جامعة كوريا الوطنية للفنون، وهي شراكة تمنح الطلبة فرصة الاستفادة من خبرات دولية في التعليم الأدائي، مع الحفاظ على جوهر الفنون السعودية وخصوصيتها الثقافية. ويقدم هذا التعاون نموذجًا يجمع بين التجربة العالمية والهوية المحلية، ويؤكد أن الانفتاح على المدارس الفنية الحديثة لا يعني التخلي عن الموروث، بل تطوير أدوات تقديمه، وإعادة إنتاجه برؤية معاصرة.
ولا تقتصر الدراسة على الجانب التطبيقي، بل تقوم على بناء معرفي متكامل يوازن بين النظرية والممارسة. وتشمل المقررات الارتجال في الأداء الحركي، ومدخلًا إلى دراسات الرقص، والتدريب العملي، إلى جانب دراسة وتحليل مجموعة من الرقصات السعودية التقليدية، بما يمنح الطالب القدرة على استيعاب الأبعاد الثقافية والجمالية للحركة، لا الاكتفاء بإتقان أدائها.
كما يركز البرنامج على بناء شخصية الفنان الأدائي القادر على التفكير والإبداع، من خلال تدريب الطلبة على تصميم المحتوى الحركي، وتطوير مهارات الارتجال والتجريب، وتحويل الأفكار إلى عروض متكاملة، والعمل ضمن فرق فنية متعددة التخصصات، وهي مهارات أصبحت اليوم من الركائز الأساسية في قطاع الفنون الأدائية على المستويين المحلي والدولي.
ولا يقف أثر البرنامج عند حدود التعليم، بل يمتد إلى صون الموروث الثقافي ذاته؛ فكل رقصة شعبية، وكل حركة جسدية متوارثة، تمثل وثيقة ثقافية تعكس تاريخ منطقة، أو مناسبة اجتماعية، أو ممارسة حياتية، وهو ما يجعل تدريسها أكاديميًا وسيلة لحمايتها من الاندثار، ونقلها إلى الأجيال الجديدة وفق أسس علمية تحفظ دقتها، وتصون أصالتها، وتضمن استدامتها.
ويحصل طلبة الكلية على تعليم يجمع بين المحاضرات النظرية والتطبيقات العملية، بإشراف أكاديميين ومتخصصين محليين ودوليين في الأداء الحركي والفنون الأدائية، بما يتيح لهم فهم المدارس المختلفة في هذا المجال، واكتساب خبرات فنية متقدمة، إلى جانب المشاركة في ورش عمل، وعروض تطبيقية، ومشروعات تفاعلية، ومسابقات تسهم في صقل مهاراتهم، وتعزيز خبراتهم الميدانية.
كما يفتح البرنامج أمام خريجيه آفاقًا مهنية واسعة في قطاع الثقافة والفنون، من بينها العمل فنانين أدائيين، أو مساعدين لمخرجي المسرح، فضلًا عن المشاركة في الإنتاجات الفنية، والعروض المسرحية، والمهرجانات الوطنية والدولية، ومشروعات إحياء التراث، والبرامج التعليمية، والإدارة الفنية، وهي مجالات باتت تشكل ركيزة أساسية في نمو الاقتصاد الثقافي السعودي.
ويؤكد المعهد الملكي للفنون التقليدية أن هذه البرامج الأكاديمية تأتي امتدادًا لدوره بوصفه المرجع الوطني لتعليم الفنون التقليدية، وتمكين المواهب السعودية، والمحافظة على الإرث الثقافي، وربط الفنون المحلية بالمشهد الإبداعي العالمي، في إطار رؤية تستهدف تحويل الثقافة إلى قطاع اقتصادي منتج، وإعداد كوادر وطنية تمتلك المعرفة والمهارة والقدرة على تمثيل المملكة في المحافل الدولية.
وفي جوهره، لا يمثل هذا البرنامج مجرد تخصص أكاديمي جديد، بل يعكس تحولًا في فلسفة التعامل مع التراث؛ إذ لم تعد الفنون الشعبية تُمارس بوصفها طقوسًا احتفالية عابرة، بل أصبحت مجالًا معرفيًا يُدرَّس، ومهنة تُمارس، ورسالة ثقافية تُسهم في حفظ الهوية الوطنية وإعادة تقديمها بلغة معاصرة. ومن خلال هذا المسار، يراهن «ورث» على إعداد جيل جديد من الفنانين القادرين على تحويل الحركة إلى ذاكرة، والرقصة إلى سردية، والتراث إلى قوة إبداعية مستدامة تُثري المشهد الثقافي السعودي، وتعزز حضوره على الساحة العالمية.