بريدة - خاص بـ«الجزيرة»:
أكَّد متخصص في العلوم الاجتماعية أن المجالس الراقية ليست التي يكثر فيها الحديث عن الناس، وإنما التي يكثر فيها الحديث عن الأفكار، والعلم، والقرآن، والإصلاح، والنجاح، والدعاء للمسلمين، أما المجالس التي تعيش على تتبع العثرات، فهي تزرع الضغائن، وتورث القطيعة، وتنزع البركة من الاجتماع، مشيراً إلى أن القرآن الكريم صور الغيبة بأبشع صورة تهتز لها النفوس، فقال تعالى: {وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ}، فلم يشبهها بالكلام الجارح فحسب، بل بأكل لحم الأخ المسلم ميتًا، في تصويرٍ يبعث النفرة من هذا الذنب العظيم، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أتدرون ما الغيبة؟» قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: «ذكرك أخاك بما يكره». قيل: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: «إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه فقد بهته».
وأشار الدكتور عبدالعزيز بن حمود المشيقح أستاذ علم الاجتماع بجامعة القصيم إلى أنه لمن المؤسف أن تتحول المجالس إلى محاكم غيابية، يُستدعى فيها الناس بأسمائهم، وتُفتح ملفاتهم، وتُفسَّر نياتهم، وتُضخَّم أخطاؤهم، ثم إذا حضروا استُقبلوا بابتسامة وعبارة: «حلّلنا» وكأن كلمات الساعات الماضية قد تبخرت، وآثارها قد زالت، ولو أن كل واحدٍ منا سأل نفسه: هل أرضى أن أكون موضوع الحديث إذا غبت؟ وهل أقبل أن تُتناقل عيوبي في المجالس؟ لأغلق أبوابًا كثيرة من الغيبة، ولحفظ لسانه قبل أن يتكلم، مشيراً إلى أنه ما إن يدخل أحدهم مجلسًا حتى يستقبله بعض الجالسين بضحكةٍ عابرة، ثم يقول أحدهم: «حلّلنا... ترانا قطعنا جلدك!»، أو: «شذبنا بك شوي!»، يظنونها دعابةً لطيفة، وهي في حقيقتها اعترافٌ صريح بأن المجلس امتلأ بذكره بما يكره، وأن عرضه كان مادةً للحديث والتندر، والمؤلم أن هذه العبارة أصبحت عند بعض الناس كأنها صكُّ براءة، فإذا استحلّوا صاحبهم ظنوا أن الأمر قد انتهى، وغفلوا أن الغيبة ليست حقًا للآدمي وحده، بل هي معصية لله قبل كل شيء، وتعدٍّ على حرمةٍ عظّمها الإسلام، وخلقٌ ذميم يفسد القلوب ويمزِّق روابط المحبة والثقة بين الناس.
وشدد د. المشيقح بقوله: فلنستبدل تلك العبارة المؤلمة: «حلّلنا... ترانا قطعنا جلدك!» بعبارة أجمل وأصدق: «ذكرك الناس بخير، ودعونا لك بظهر الغيب» فهذه هي المجالس التي تحفها الملائكة، وتطيب بها النفوس، وتبقى ذكراها الحسنة في الدنيا، وثوابها عند الله في الآخرة.