«الجزيرة» - وائل العتيبي:
في نجران، حيث لا تزال الصخور تحفظ نقوش آلاف السنين، وتروي القرى الطينية حكايات تعاقب الحضارات، تواصل السينما السعودية رحلتها نحو صناعة جمهورها في مختلف مناطق المملكة. فهناك، حيث يبدأ التاريخ قبل أن تبدأ الكاميرا، تحل مبادرة «شاشتنا» التي تنظمها جمعية السينما، لتؤكد أن الفيلم ليس مجرد وسيلة للترفيه، بل امتداد لذاكرة المكان، ولغة جديدة تروي الإنسان وتعيد اكتشافه.
ويستضيف بيت الثقافة في نجران مساء السبت 18 يوليو 2026 محطة جديدة من البرنامج، عبر ثمانية أفلام قصيرة تتنوع بين الروائي والوثائقي والكوميدي، في تجربة تعكس التحول الذي تعيشه السينما السعودية، وقدرتها على الوصول إلى جمهورها خارج المدن الكبرى، وجعل الشاشة فضاءً للحوار والتأمل وتبادل الحكايات.
وتبدأ الأمسية بفيلم «حوض» للمخرجة ريما الماجد، الذي يتتبع رحلة فتاة تبحث عن حريتها داخل منظومة تعليمية قائمة على التلقين، فيما يروي فيلم «خدمة للمجتمع» للمخرج جعفر آل غالب حكاية موظف يجد نفسه أمام مغامرة تغير نظرته إلى الحياة.
ويواصل البرنامج تنوعه مع فيلم «الحافة» للمخرج أحمد القثمي، الذي يتناول هشاشة العلاقات الإنسانية، بينما يقدم فيلم «رحلة 1-2» للمخرجة رنا مطر تأملًا في الهوية والاختيارات الشخصية عبر رحلتين تعيدان تشكيل وعي البطلة بنفسها.
كما يحضر البعد الإنساني والشاعري في فيلم «ترفة» للمخرج عبدالله السويد، الذي يروي قصة حب متأخرة تتحدى الأعراف، فيما يقترب فيلم «شرشورة» للمخرج أحمد النصر من العوالم الوجودية عبر شخصية سائق تتغير نظرته للحياة بفعل تجربة غير مألوفة.
ويمنح فيلم «شدة ممتدة» للمخرج سلطان ربيع مساحة للكوميديا اليومية، قبل أن يختتم البرنامج بفيلم «جهير» للمخرج محمد الزهراني، الذي يطرح أحد أكثر أسئلة العصر إلحاحًا: هل يبقى الإبداع الإنساني متفردًا في زمن الذكاء الاصطناعي؟
ولا يقتصر برنامج «شاشتنا» على نقل الأفلام بين المدن، بل يسعى إلى بناء ثقافة مشاهدة مستدامة، وإيصال السينما إلى الجمهور حيثما كان، انطلاقًا من رؤية تجعل الثقافة حقًا متاحًا للجميع، وتؤمن بأن لكل مدينة حكايتها، ولكل حكاية شاشة تستحق أن تُروى.
وفي نجران تحديدًا، المدينة التي كتبت تاريخها على الحجر، تبدو السينما اليوم وكأنها تضيف فصلًا جديدًا.. لكن هذه المرة بلغة الضوء والصورة.