وُلد عبد الفتاح بن عبد الله بن يوسف ياسين في حي البازار بمدينة اللاذقية عام 1920، ونشأ في كنف أسرة محافظة تعود أصولها إلى قرية بابنا التابعة لمنطقة الحفة في ريف اللاذقية. وكان والده الحاج عبدالله ياسين يعمل مع شقيقه الحاج محمد ياسين في تجارة الحبوب. وعاش فترة شبابه مع والديه وإخوته الأربعة - محمد هدى، وعبد السلام، وخديجة وفاطمة - حياة بسيطة إلى أن شد الرحال إلى دمشق، ومنها إلى عواصم عربية وأجنبية أخرى. وقد تزوج فيما بعد السيدة زهرة قاسم ياسين ورزق منها ثلاثة أبناء، هم سفيان وزياد وخالد، وابنتين، هما هند ومها.
وهو ينتمي إلى أسرة لها تاريخ عريق في السياسة والدبلوماسية السورية والسعودية. فهو ابن عم الشيخ يوسف ياسين، المستشار الخاص للملك عبد العزيز آل سعود ونائب وزير الخارجية السعودي، والحاج قاسم ياسين، رئيس حزب الشعب في اللاذقية.
تلقى عبد الفتاح تعليمه الأولي في الكتاتيب التقليدية بمدينة اللاذقية قبل أن يلتحق بالتعليم النظامي. وخلال سنوات دراسته الإعدادية، تأثر بالمناخ السياسي السائد في تلك الفترة وشارك في المظاهرات المناهضة للانتداب الفرنسي في سوريا الذي استمر من عام 1920 إلى عام 1946، مما دفع السلطات الفرنسية إلى منعه من إكمال دراسته الثانوية في كافة محافظة اللاذقية، واضطره للانتقال إلى دمشق لإكمال دراسته.
ونظرا إلى أن الإمكانات المادية للأسرة لم تكن ميسرة، اضطرّ لبيع حصته من الميراث الذي تركه والده من أجل تحمل تكاليف دراسته في دمشق، سواء على المستويين الثانوي أو الجامعي.
وفي دمشق، ظل عبد الفتاح ناشطا في النضال الوطني ضد الاحتلال الفرنسي، وكان له دور قيادي في الحركات الطلابية المناهضة للحكم الفرنسي، مما أدى إلى اعتقاله وسجنه في مناسبتين. وكثيرا ما كان يروي حادثة وقعت أثناء استجوابه من قبل ضابط فرنسي: عندما سُئل عن سبب مشاركته في المظاهرات، أجاب: «قبل أن أجيب على سؤالك، اسمح لي أن أعبر عن اعتزازي بقائدكم الجنرال شارل ديغول الذي رفض الاحتلال النازي وقاومه حتى تم تحرير فرنسا. ونحن هنا نسير على خطى الجنرال ديغول حتى تحقق سوريا استقلالها». وأمام هذه الإجابة التي أربكت المحقق الفرنسي، أمر بإطلاق سراحه.
وبعد إكماله دراسته الثانوية وحصوله على شهادة البكالوريا، مُنع مرة أخرى من الالتحاق بجامعة دمشق بسبب أنشطته الوطنية.
عندئذ، وبمساعدة ابن عمه الشيخ يوسف ياسين، حصل على وظيفة في السفارة السعودية بدمشق. وكانت وظيفته الأولى طابع آلة كاتبة. وفي عام 1950، وبعد منحه الجنسية السعودية، أخذ يترقى في المناصب حتى وصل في نهاية المطاف إلى مناصب دبلوماسية كسكرتير ثالث ثم سكرتير أول.
وخلال أواخر الأربعينيات والنصف الأول من الخمسينيات، نجح عبد الفتاح ياسين في بناء شبكة واسعة من العلاقات الشخصية مع السياسيين والصحفيين والشخصيات الاجتماعية في سوريا. وكان من أبرز السياسيين السوريين الذين تواصل معهم الرئيس أديب الشيشكلي، والدكتور ناظم القدسي، رئيس الجمهورية الأسبق، والزعيم رشدي الكيخيا، رئيس حزب الشعب، والحاج قاسم ياسين، رئيس حزب الشعب في اللاذقية، مما مكّنه من لعب دور مؤثر في تعزيز العلاقات السعودية السورية، ولاسيما من خلال توضيح الموقف الحقيقي لحزب الشعب من مشروع حلف بغداد وإزالة الشكوك التي روّجت بشأن هذا الموقف.
ومن بين الصحفيين السوريين الذين تواصل معهم، سواء أثناء وجوده في دمشق أو لاحقا في لبنان بعد أن توافدوا إليه في أعقاب انقلاب 1963، بشير العوف، صاحب جريدة «المنار» الدمشقية، وسعيد التلاوي، مؤسس جريدة «الفيحاء»، ونصوح بابيل، صاحب جريدة «الأيام» ونقيب الصحفيين السوريين، والكاتب الصحفي قدري قلعجي، وزهدي الجاسر، ووديع صيداوي، وأحمد عسه.
وبقي عبد الفتاح ياسين في دمشق حتى عام 1956، وهي فترة تركت أثرا عميقاً فيه، فقد تعلق بشدة بالمدينة العريقة، وأعجب بالحضارة الأموية، وأصبح أموي الهوى كما يظهر من أسماء أبنائه.
وبعد مهمته في دمشق، تم نقله إلى السفارة السعودية في أنقرة كقائم بالأعمال، حيث خدم لمدة عام تقريبا. وفي عام 1957، تم نقله إلى السفارة السعودية في مدريد بإسبانيا، حيث أمضى عامين ونصف كسكرتير أول. وفي إسبانيا، سنحت له الفرصة للتعرّف عن قرب على حضارة الدولة الأموية في الأندلس، فاستعاد ما ترسخ في ذاكرته عنها إبّان إقامته في دمشق، ليصل بين الماضي الأندلسي وأصوله المشرقية.
وعقب إقامة علاقات دبلوماسية بين السعودية وغانا في أوائل الستينيات، نُقل عبد الفتاح ياسين إلى أكرا في عام 1963حيث مكث هناك ما يقرب من السنة.
وبعد غانا، نُقل في عام 1964 إلى لبنان، بعد أن تمت ترقيته إلى منصب مستشار في وزارة الخارجية.
وخلال فترة وجوده في لبنان التي امتدت لأكثر من عقد من الزمن، عمل عبد الفتاح ياسين كمبعوث خاص للملك فيصل بن عبد العزيز ومسؤولا عن الملفات السياسية والإعلامية في لبنان. وكان لبنان في تلك الفترة ساحة صراع بين تيارين عربيين رئيسين: التيار الناصري الاشتراكي، ويمثله في لبنان السفير المصري المتنفذ اللواء عبد الحميد غالب، والتيار المحافظ بقيادة المملكة العربية السعودية. ولعب عبد الفتاح ياسين دورا محوريا في مواجهة النفوذ الناصري في لبنان وتعزيز الموقف السعودي من خلال بناء علاقات قوية مع مختلف السياسيين اللبنانيين، ولا سيما المحافظين منهم أمثال رؤساء الوزراء عبد الله اليافي، ورشيد الصلح، والدكتور أمين الحافظ؛ والوزير الشيخ خليل الخوري، ابن الرئيس اللبناني الأول بشارة الخوري؛ وريمون إده، عميد الكتلة الوطنية اللبنانية؛ وبيار الحميل، رئيس حزب الكتائب اللبنانية وخليفته جورج سعادة الذي أصبح رئيسا للحزب في عام 1986؛ والوزير كاظم الخليل، نائب رئيس حزب الوطنيين الأحرار؛ والقاضي والوزير عثمان الدنا.
كما أقام علاقات قوية مع رجال الصحافة اللبنانية أمثال الصحافي الشهير كامل مروة، صاحب جريدة «الحياة»؛ والصحافي والسياسي غسان تويني، صاحب جريدة «النهار»؛ ورئيس تحرير «النهار» ميشال أبو جودة؛ والصحافي سليم اللوزي، مؤسس مجلة «الحوادث»؛ والكاتب الصحفي منح الصلح. وعندما اغتيل الشهيد كامل مروة في عام 1966 بسبب مواقفه المناهضة للناصرية والداعمة للمملكة العربية السعودية بتدبير من المخابرات المصرية، قام عبد الفتاح ياسين بمتابعة سير محاكمة الجاني عن كثب لضمان عدم تدخل الأجهزة الأمنية المصرية في العملية القضائية. كما اضطلع بمهمة شرح السياسة السعودية الحريصة على مصلحة لبنان واستقلال قراره السياسي بعيدا عن التدخلات الخارجية، والممارسات المخابراتية، ومحاولة استغلال الانقسامات الطائفية لزعزعة الاستقرار في لبنان. وعندما توترت العلاقات بين القوى اللبنانية والفلسطينية في أواسط السبعينيات، عمل على تهدئة الموقف بين الطرفين لتجنب انفجار الصراع في لبنان، وكانت اجتماعات محاولة التوفيق بين الطرفين تُعقد في منزله بحضور جورج سعادة عن الكتائب اللبنانية والقائد «أبو الزعيم» عن الجانب الفلسطيني. وقد نُقل عن مصدر موثوق أن الملك سلمان بن عبد العزيز، الذي كان أمير منطقة الرياض آنذاك، وصفه بأنه «رجل المملكة في لبنان».
ولم تقتصر اتصالاته على رجال السياسة والصحافة، ولكنها شملت رجال الدين أيضا، أمثال سماحة مفتي القدس الحاج محمد أمين الحسيني الذي كان يسكن في بيروت خلال الستينيات، وسماحة مفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ حسن خالد، وسماحة الإمام موسى الصدر. وكثيرا ما كان يدعو نخبة من المفكرين والأدباء والشعراء اللبنانيين والسوريين إلى لقاءات في منزله، ومن بينهم الأستاذ نصري المعلوف، والشعراء الكبار عمر أبو ريشة، ونزار قباني، وبدوي الجبل. ومع اندلاع الحرب الأهلية في لبنان عام 1975، وتعرضه لتهديدات أمنية متكررة، قرر عبد الفتاح ياسين اعتزال العمل الدبلوماسي، وانتقل إلى فرنسا حيث استقر في مدينة «كان» حتى عام 1997، ولكنه استمر خلال وجوده في فرنسا في تقديم الخدمات الاستشارية للمسؤولين السعوديين.
ومن فرنسا انتقل عبد الفتاح ياسين إلى إسبانيا مرة أخرى حيث أمضى سنواته الأخيرة في مدريد إلى أن وافته المنية في 5 شباط/ فبراير 2004. وعندما أعلن خبر الوفاة في جريدة الشرق الأوسط، طلب السفير السعودي آنذاك، الأمير سعود بن نايف بن عبد العزيز، الذي كان خارج مدريد، من أركان السفارة التكفل بكامل ترتيبات الجنازة والدفن الذي جرى في مقبرة غرينيون الإسلامية الواقعة إلى جنوب مدينة مدريد. وعند عودة سموه إلى مدريد، اتصل بأبناء الفقيد معزيا وعبر لهم عن التقدير الذي تكنه المملكة لوالدهم الذي خدمها بكل إخلاص.
نشأ عبد الفتاح ياسين منذ سن مبكرة على حب الأدب والشعر العربي، والاهتمام بالتاريخ العربي ولاسيما تاريخ المملكة العربية السعودية. وكان يجيد اللغة العربية، كما أنه تعلم اللغة الفرنسية. وأثناء إقامته في لبنان، قام بترجمة كتاب «عبد العزيز آل سعود، سيرة بطل ومولد مملكة» (دار الكاتب العربي، بيروت، 1965) للمؤرخ الفرنسي الشهير جاك بنواميشان من الفرنسية إلى العربية.
لقد كان عبد الفتاح ياسين دبلوماسيا محنكا ذا خبرة واسعة في التعامل مع الأصدقاء والخصوم اكتسبها من تنقلاته الواسعة في بلدان عدة ومن علاقاته الوطيدة مع السياسيين، والدبلوماسيين، والصحفيين في عواصم عربية وأجنبية مختلفة. وجاءت أبرز مساهماته في خدمة المملكة العربية السعودية خارج السلك الدبلوماسي التقليدي ومن خلال قيامه بمهمات خاصة معتمدا في ذلك إلى حد كبير على العلاقات الشخصية والصداقات التي نجح في بنائها مع مختلف الأطراف.
لم يترك عبد الفتاح ياسين أية مذكرات شخصية لأن مهامه كانت ذات طابع سري، وقد أتلف قبل وفاته كل ما بحوزته من مراسلات مع الملك فيصل بن عبد العزيز، والملك فهد بن عبد العزيز، وولي العهد آنذاك الأمير عبد الله بن عبد العزيز، والأمير سلطان بن عبد العزيز، والشيخ كمال أدهم، مدير المخابرات الخارجية في المملكة، ومسؤولين سعوديين آخرين.
** **
- زياد عبدالفتاح ياسين