الباحة - د. عبدالعزيز بن غازي الغامدي:
أعتاد في إجازتي الصيفية أن أذهب لمزرعتنا في قريتنا بمنطقة الباحة، فوقفتُ على الشرفة أتأمل الأشجار وهدوء المكان، لكن فوجئتُ بوجود عدد كبير من قرود البابون أقامت في المزرعة ضيافة جماعية دون دعوة أو استئذان. كان بعضها يتنقل بين الأشجار، بعضها الآخر يأكل ثمار الأشجار بينما إنغمس البعض في لهو يتسم بالجرأة ويكسرون الاغصان. حاولتُ إبعادها بالصراخ ورمي الحجارة، لكن معظمها لم يُعرني اهتماماً يُذكر، وكأنني دخيل على مملكتها.
وبينما كنتُ أُراقب هذا المشهد، خطر لي سؤال ماذا لو أُتيحت الفرصة لأحد هذه القرود أن يتكلم؟ ماذا لو قرر أن يشرح من وجهة نظره، كيف وصل إلى هنا؟ ولماذا ازداد وجوده بالقرب من البشر؟ وماذا يرى في هذه العلاقة التي نعتبرها نحن مشكلة؟ لذلك قررت أن أمنح أحد قرود البابون فرصة لسرد القصة بنفسه، وطلبت منهم من يمثلهم في الحوار وبعد نقاشات حادة بينهم ومنافسة تقدم كبير القرود معلناً انه المتحدث الرسمي ثم اعتدل في جلسته وترك ثمار مزرعتي من يده وقال لست متحدثاً محترفاً ولا أحمل شهادة في علم البيئة لكن خبرتي الميدانية في منطقة الباحة، ومنطقة عسير، ومحافظة الطائف، تُؤهلني للحديث معك وربما أكثر علمية مما تتوقع فسالته إذن ما سبب زيارتكم المفاجئة ولماذا مزرعتي وما هذا الخراب ؟
فقال لي خراب اي خراب نحن وجدنا الأشجار مثقلة بالثمار فاعتبرنا ذلك ترحيبا منك ولم نشأ أن نرد كرم الضيافة بجفاء فكلفت أفراد عشيرتي ان يتذوقوا الفاكهة لنتأكد من جودتها، وجعلت فريقا آخر يفحص لك الأشجار والاغصان وإجراء بعض التحسينات عليها،
فقلت له وهل تسمى هذا العبث تحسينات! دعك من هذا الهراء وأخبرني ما سبب مجيئك انت وعشيرتك؟ فرد وقال في البداية يا مضيفي الكريم، كنا نعيش وفق قواعد بسيطة نبحث، نتحرك، نغامر ثم نأكل لكن مع مرور الوقت، لاحظنا تغييراً ملحوظاً أصبح الطعام متوفراً بسهولة كانت الروائح ترشدنا إليه بسهولة. وبعضكم -بكرمكم- قدمه لنا مباشرة. هنا، وفقاً لمبادئ التكيف السلوكي، كان من غير المنطقي رفض هذه «الترقية».
لذا شكراً لكم... لقد جعلتم الحياة أسهل بكثير. بصراحة، لم نكن بهذه الروح المغامرة من قبل. لكننا سرعان ما تعلمنا من سلوككم معنا فكلما اقتربنا منكم نحصل على الطعام. إذا حاولنا مرة أخرى.. نحصل على المزيد. وبمرور الوقت، لم يعد الأمر مجرد تجربة.. بل أصبح: لنا عادة يومية. ومهارة جماعية. بل أصبحت معرفة متوارثة بيننا. يمكن القول إنكم دون قصد دربتمونا.
وهنا سألته: الم تكن الجبال بيئتكم فلما دخلتم بيئتنا؟ فرد وقال نُقرّ بأن الجبال جميلة، ولكنها مُرهِقة. لكن الوضع معكم مختلف طرق سهلة العبور ومصادر غذائية متنوعة، بل وأماكن اختباء قريبة ولإننا نتمتع بمنطق الذكاء البيئي جعل بيئتكم خياراً مثالياً لنا لذا، نحن لم نقتحم بيئتكم أنتم من دعوتونا ونحن وجدنا مناطقكم أفضل من جبالنا فمن يترك هذه النعمة!! فسألته وما تفسيرك لأعدادكم الكبيرة؟ إبتسم وقال لاحظت ازدياد أعدادنا، دعني أشرح لك ذلك علمياً أصبح هناك وفرة في الغذاء وشعور نسبي بالأمان ونبذل جهد أقل فالنتيجة أننا تفرغنا للتكاثر اذن لا يوجد سرٌّ في زيادتنا إنها ببساطة قوانين بيئية فعّالة تعمل بكفاءة. لكن لا يخفى عليك مضيفنا الكريم في الآونة الأخيرة، بدأنا نلاحظ شيئاً مختلفاً لم يعد العثور على الطعام سهلاً كما كان في السابق أصبحت الحاويات مغلقة الآن هناك محاولات لإبعادنا وبعد البحث والاستقصاء علمنا أن المركز الوطني لتنمية الحياة الفطرية يعمل على إعادة تنظيم العلاقات البيئة من أجل التوازن الطبيعي بين الكائنات، كما تسمونها. لكن من وجهة نظرنا يبدو أنكم بدأتم في تنفيذ قواعد الاتزان البيئي. تقولون إننا «مشكلة» لكن من واقع خبرتنا لقد استجبنا ببساطة لما قدمتموه لنا، فأنتم من غير قواعد الاتزان البيئي وليس نحن أخيراً، أود أن نقول شكراً لكم على حسن ضيافتكم. لقد كانت تجربة قيّمة.
مع ذلك، يبدو أن الوقت قد حان لإجراء تعديلات على النظام، على الأقل بالنسبة لكم. يا مضيفنا الكريم ارجو أن تدرك أن ما بيننا ليس صراعاً، بل علاقة غير متوازنة تحتاج إلى إعادة ضبط. وفي إطار رؤية المملكة 2030، يبدو أنكم قد بدأتم بالفعل في استيعاب الدرس فأجبته نعم، أيها البابون لان الطبيعة لا تحكمها العاطفة وحدها بل بالعلم والفهم وقوانين الإتزان البيئي ولعلنا جميعاً بحاجه أن نعود الى ذلك الإتزان الذى اختل حين اقترب كل منا أكثر مما ينبغي من عالم الاخر وبالرغم من ذلك اطمئنك بأني اذا قررت يوما أن ازورك في موطنك الطبيعي بين الجبال والغابات فسأحمل معي بعض الفاكهة واقدمها لك هدية انت وعشيرتك اما مزرعتي التي جعلتموها ساحه مفتوحة للولائم والاجتماعات العائلية فأرجو أن تعفوها من زياراتكم المفاجئة فابتسم البابون وهز رأسه في وقار لا يخلو من المكر وقال ( اكرم وجاد الله عليك يا مضيفنا) ونعدك أننا سنبذل ما في وسعنا للعودة الى موائلنا الطبيعية متى توفرت لنا سبل العيش فيها فقد تعود بعض الأقارب على خدمات الضيافة الراقية في مزارعكم، وقد لا يكون إقناعهم بالعودة أمراً سهلا فقلت له بسيطة ذكرهم بما تقولون (يا ويل واحد مني ويا ويلي من اثنين)
هنا أدركت أن البابون ليس مجرد حيوان ذكي، بل ضيف ثقيل الظل يتمتع بثقة لا حدود لها ويؤمن تماماً بأن المزرعة وما فيها قد وجدت لخدمته وترفيهه هو وعشيرته!!