«الجزيرة» - وائل العتيبي:
في جدة، لا تنتهي الحكاية عند آخر نغمة، ولا ينطفئ أثر الأغنية بانطفاء أضواء المسرح؛ فثمة مدن تمنح الفنان أكثر من خشبة، وجمهورًا يتجاوز التصفيق إلى المشاركة في صناعة اللحظة، وذكريات تجعل العودة إليها امتدادًا للقاء لا نهاية له. ومن هذه المدينة التي تعرف كيف تصغي إلى الموسيقى وتمنحها حياة أخرى، تستعد النجمة اللبنانية إليسا والنجم وائل جسار للقاء جمهورهما في أمسية تجمع بين الإحساس والطرب، وبين صوتين لبنانيين وجمهور سعودي لطالما منح الأغنية العربية مساحة واسعة من المحبة والاحتفاء.
ويلتقي النجمان يوم 31 يوليو على مسرح عبادي الجوهر أرينا، ضمن فعاليات موسم جدة، برعاية الهيئة العامة للترفيه، في حفل يستعيد للأغنية العاطفية حضورها، ويجمع تجربتين فنيتين استطاعتا أن تقتربا من وجدان الجمهور العربي، لا بالكلمات والألحان وحدها، بل بما تحمله الأغنية من حكايات شخصية وذكريات مشتركة.
وبالنسبة إلى إليسا، لا تبدو جدة محطة عابرة في خريطة حفلاتها؛ فالمدينة تحتفظ لديها بمكانة خاصة، وقد تحدثت عنها بمحبة واضحة، ووصفت أهلها بأنهم «دافئون مثل جو لبنان ويحبون الحياة»، فيما عبّرت عن الطاقة التي تجدها في جمهورها هناك، مؤكدة أن «جمهور جدة يأخذها إلى الفرح». ولعل هذه العبارة تختصر طبيعة علاقة تجاوزت حدود المسرح؛ علاقة بين فنانة وجدت في جمهورها صدى لمشاعرها، وجمهور وجد في صوتها مساحة لاستعادة شيء من حكايته، حتى يصبح اللقاء نفسه نوعًا من الفرح المشترك.
ولا تأتي هذه العلاقة من فراغ؛ فقد عبّرت إليسا في مناسبات مختلفة عن تقديرها العميق للمملكة العربية السعودية، كما ظل جمهورها السعودي حاضرًا في محطات فنية وإنسانية عدة، مؤكدًا اتساع القاعدة الجماهيرية التي تحظى بها في المملكة. وخلال السنوات الماضية، واصلت حضورها في المشهد الغنائي السعودي، وأحيت حفلات في مدن ومواقع مختلفة، من الرياض إلى العلا، وسط تفاعل واسع مع أرشيفها الغنائي الذي جعل من الإحساس والرومانسية ملامح راسخة في تجربتها.
وفي كل عودة، لا يبدو أن إليسا تبدأ علاقتها بجمهورها من جديد؛ بل تستأنف حكاية قائمة، من أغنية يعرفها الجمهور، وذاكرة تستيقظ مع اللحن، وتفاعل يمنح الفنان إحساسًا بأن المسافة بين المسرح والقاعة قد تلاشت. فالجمهور هنا لا يكتفي بأن يكون مستمعًا، بل يصبح جزءًا من الأغنية نفسها، يرد عليها بصوته، ويمنحها حياة تتجاوز زمن أدائها.
ولجدة خصوصية تجعلها أكثر من مكان لاستضافة الحفلات. فهي مدينة تشكلت على البحر، وعبرت إليها ثقافات ولغات وذاكرات متعددة، حتى أصبح التنوع جزءًا من روحها، وأصبحت الموسيقى إحدى اللغات التي تعبّر بها عن نفسها. وفي مدينة كهذه، لا تكون الأغنية أداءً عابرًا؛ بل تدخل في نسيج المكان، وتتحول إلى مساحة للقاء، وإلى ذاكرة مشتركة بين الفنان والجمهور.
أما وائل جسار، فيحضر إلى جدة محملًا بتجربة فنية اختارت العاطفة والطرب طريقًا إلى الجمهور العربي، وبصوت ارتبط بأغنيات رافقت أجيالًا من المستمعين. وقد وصف الجمهور السعودي بأنه «راقٍ ومحب للفن الأصيل»، في شهادة تختصر تقديره لجمهور يرى في الأغنية أكثر من منتج موسيقي عابر؛ يراها جزءًا من ذاكرته ومزاجه ووجدانه.
وهنا تلتقي تجربتان مختلفتان في التعبير، لكنهما تشتركان في الإيمان بقدرة الأغنية على الوصول إلى الإنسان. فمن رومانسية إليسا إلى طرب وائل جسار، تبدو الأمسية المرتقبة مساحة للعودة إلى أغنيات ارتبطت في وجدان الجمهور بالحب والحنين والغياب والانتظار، وإلى زمن كانت فيه الأغنية قادرة على أن تصبح رفيقة لحظة، وذاكرة مرحلة، وصوتًا لحكاية شخصية.
لهذا، تبدو الأمسية أكثر من لقاء غنائي بين نجمين؛ إنها لحظة يلتقي فيها صوتان من لبنان بجمهور سعودي أسهم، خلال السنوات الأخيرة، في إعادة صياغة علاقة الفنان العربي بالمسرح السعودي. فالحفل اليوم لا يُقاس فقط بعدد الحضور أو أسماء المشاركين، بل بما يتركه من أثر؛ حين تتحول الموسيقى إلى تجربة، والمسرح إلى مساحة للقاء، والجمهور إلى شريك في صناعة الذاكرة.
ويُنتظر أن يقدم النجمان باقة من أبرز أعمالهما التي صنعت حضورهما في الوجدان العربي، في ليلة تتنقل بين الأغنية العاطفية والطرب الرومانسي، وتستعيد أعمالًا لا تُسمع فحسب، بل تستدعي معها حكايات عاشها الجمهور مع كل لحن وكلمة.
ويأتي الحفل ضمن سلسلة التجارب الفنية التي تقدمها شركة Benchmark، من خلال استضافة أبرز نجوم الغناء العربي في المملكة، في مشهد يواكب الحراك الثقافي والترفيهي المتنامي الذي تشهده السعودية، ويؤكد أن جدة لا تستقبل الفن فحسب، بل تمنحه جمهورًا قادرًا على تحويل الأغنية إلى حدث، والحفل إلى ذاكرة، والعودة إلى موعد جديد مع الفرح.