كل صباح، تفتح الجامعات أبوابها.
يدخل آلاف الطلاب حاملين أحلامهم، ويخرج آلاف الخريجين حاملين شهاداتهم.
لكن هناك بابًا ثالثًا لا يراه أحد.
بابٌ يقف عنده المستقبل.
يدق بابه كل يوم، فلا يفتح له أحد.
لو أن المستقبل إنسان، لوقف أمام كثير من جامعاتنا غريبًا لا يعرفه أحد.
سيسأل الأستاذ عن الذكاء الاصطناعي، فيجيبه بمنهج كُتب قبل عقد من الزمن.
وسيسأل الطالب عن وظائف الغد، فيعطيه الجميع إجابات الأمس.
وسيسأل المستثمر: من سيبتكر لي منتجًا جديدًا؟ فيتقدم إليه آلاف الحاصلين على الامتياز... ولا يتقدم إليه صاحب فكرة واحدة.
هنا تبدأ المأساة.
فالمشكلة ليست أن الجامعات لا تعمل.
بل إنها تعمل بجد...
ولكن في الاتجاه الذي غادره العالم.
لقد تحولت الجامعات، في كثير من الأحيان، إلى متاحف معرفية أنيقة.
جدرانها مليئة بالشهادات.
ومكتباتها مزدحمة بالكتب.
وقاعاتها عامرة بالمحاضرات.
لكن الاقتصاد لا يدخل المتاحف.
إنه يركض نحو المختبرات.
ولذلك أصبحت بعض الجامعات تُدرِّس المعرفة كما تُدرَّس الآثار؛ للحفظ والإعجاب، لا للاستخدام والإنتاج.
ذات يوم، كان العالم يقيس ثروة الأمم بما تملكه من ذهب.
ثم أصبح يقيسها بما تملكه من نفط.
واليوم لم يعد الذهب هو الذهب.
ولم يعد النفط هو النفط.
أصبحت المهارة هي الذهب.
وأصبح الابتكار هو النفط.
وأصبح العقل البشري هو المنجم الوحيد الذي لا ينضب.
ولهذا تشير تقارير المنتدى الاقتصادي العالمي إلى أن ما يقارب 40 % من المهارات الأساسية للعاملين سيتغير خلال سنوات قليلة نتيجة التحول التقني والذكاء الاصطناعي، مما يجعل التعلم المستمر ضرورة لا خيارًا. ولم تعد الشهادة وحدها كافية لضمان الاستمرار في سوق العمل.
ولعل أكثر ما يثير الدهشة أن بعض الجامعات ما زالت تقيس نجاحها بعدد الخريجين...
وكأن المزارع يحتفل بعدد البذور التي زرعها، دون أن ينظر إلى عدد الأشجار التي أثمرت.
إن الجامعة لا تنجح عندما تمنح الطالب شهادة.
بل عندما تمنح المجتمع قيمة.
ولا تنجح عندما يرفع الخريج قبعته في حفل التخرج.
بل عندما يرفع اقتصاد الوطن إنتاجيته بفضل ذلك الخريج.
إن الأزمة الحقيقية ليست فجوة بين الجامعة وسوق العمل.
إنها فجوة بين سرعة التاريخ.. وسرعة التعليم.
فالتقنية تتغير كل بضعة أشهر.
والوظائف يعاد تعريفها كل عام.
بينما قد تبقى بعض الخطط الدراسية سنوات طويلة تنتظر توقيع لجنة، ثم اعتماد مجلس، ثم موافقة جهة، حتى تصل إلى الطالب بعد أن يكون العالم قد تجاوزها.
إنها ليست فجوة.
إنها مطاردة يخسرها التعليم كلما تباطأ.
وتشير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) إلى أن الاقتصادات الأكثر نجاحًا هي تلك التي تجعل التعليم مرتبطًا مباشرة بتنمية المهارات والإنتاجية والابتكار، لا بمجرد الحصول على المؤهلات. ولذلك أصبحت دول كثيرة تراجع برامجها الجامعية بصورة مستمرة، وتُشرك أصحاب الأعمال في تصميم المناهج، وتربط التمويل بمؤشرات الأثر الحقيقي للخريجين.
إن الجامعة التي لا يسمع فيها الطالب صوت المصنع.
ولا يدخل فيها رائد الأعمال.
ولا يناقش فيها المستثمر.
ولا تُولد فيها شركة ناشئة.
تشبه ميناءً جميلًا لا ترسو فيه السفن.
قد يكون البناء رائعًا.
لكن البحر قد هجره منذ زمن.
لقد أدركت الجامعات العالمية الرائدة أن رسالتها لم تعد تنتهي عند تسليم الشهادة.
ولهذا أصبحت تمتلك صناديق لرأس المال الجريء.
وحاضنات ومسرعات أعمال.
ومراكز لنقل التقنية.
وشركات تنشأ داخل الحرم الجامعي قبل أن يتخرج أصحابها.
إنها لا تُخرِّج باحثين عن وظائف.
بل تُخرِّج صُنَّاع وظائف.
وربما آن الأوان لأن نتوقف عن سؤال الخريج:
«أين ستعمل؟»
ونسأل الجامعة:
«كم فرصة عمل صنعت؟»
فالسؤال الأول يبحث عن وظيفة.
أما السؤال الثاني فيبني اقتصادًا.
إن الجامعة ليست قاعة محاضرات.
وليست مبنى من الخرسانة.
وليست ترتيبًا في تصنيف عالمي.
إنها وعدٌ تقطعه الجامعة لأبنائها.
فإما أن تفي به.
وإما أن يتحول ذلك الوعد إلى طابور طويل من الشهادات التي تبحث عن مستقبل لم يُصنع لها.
ولذلك فإن أخطر أنواع البطالة ليست بطالة الخريجين.
بل بطالة الأفكار.
وأخطر أنواع الفقر ليس فقر المال.
بل فقر الخيال.
وأخطر أنواع الهدر ليس هدر الميزانيات.
بل هدر العقول التي كان يمكن أن تغيّر وجه الوطن لو أن الجامعة علمتها كيف تخلق المستقبل، لا كيف تحفظ الماضي.
وعندما يكتب المؤرخ بعد خمسين عامًا قصة نهضة أمة، فلن يسأل:
كم جامعة كانت لديها؟
ولا كم ألف خريج خرج منها؟
بل سيسأل سؤالًا واحدًا:
هل كانت جامعاتها تُخرِّج موظفين ينتظرون المستقبل... أم كانت تُخرِّج عقولًا تصنعه؟
فهناك يبدأ التاريخ.
وهناك أيضًا تنتهي الحكاية.
** **
- د. خالد بن سرحان المطيري