منصور ماجد الذيابي
كنت أشرت في مقال سابق بعنوان تهديد الأمن والسلام في الشرق الأوسط إلى أن السياسة الإيرانية في الحرب مع الولايات المتحدة الأمريكية تعتمد على توسيع نطاق الحرب ليشمل جميع الدول في الشرق الأوسط؛ لأجل أن تثبت للرأي العام العالمي والإقليمي أنها تخوض الحرب على جبهات متعددة في محاولة منها لكسب تعاطف الصين وروسيا الاتحادية وكوريا الشماليّة لخوض الحرب إلى جانبها ضد أمريكا، سواء من خلال المشاركة الفعلية لقوات هذه الدول أو عن طريق التعاقد مع شركات روسية مثل شركة فاغنر الروسية التي تدخلت عسكرياً في ليبيا وبعض دول أفريقيا خلال فترة الحروب الأهلية، ولاسيما أن إيران ترتبط مع هذه الدول الثلاث بعلاقات تجارية قوية ترتكز على الدعم العسكري المتمثل في تزويد إيران بوقود الصواريخ والأسلحة المتطورة مقابل شحنات النفط والغاز إلى هذه الدول التي دعمت إيران سابقاً في الأنشطة المتعلقة ببرنامجها النووي وقدراتها الصاروخية.
وعلى الرغم من مواقف الدول الخليجية المعلنة والرافضة لشن الحرب على إيران في الثامن عشر من فبراير / شباط الماضي، إلا أن هذه الدول تتحمل أعباء الحرب عندما تعرّضت - ولا زالت تتعرّض - لهجمات صاروخية إيرانية غاشمة استهدفت منشآت حيوية وأعياناً مدنية مع احتفاظ دول الخليج بحق الرد، لكنها لا زالت تمتنع عما يسهم في تحقيق أهداف الجناح المتشدد في الحرس الثوري الإيراني بجرّها إلى أجواء الحرب حتى يمكن لإيران توسيع دائرة الصراع المسلح، وبالتالي خلط الأوراق وزعزعة الاستقرار في المنطقة العربية برمتها من خلال تسليح المليشيات المسلحة التابعة لإيران لتولي مهام حربية نيابة عنها كما حدث سابقاً في سوريا ويحدث اليوم في لبنان والعراق واليمن، حيث ينتشر الخطاب الديني الإيراني لاستدرار الجماعات الإرهابية بالخطابات الطائفية لدعم إيران في هذه الحرب وتأييد النظام في سياسة التوسع والتوغل والهيمنة في بعض الدول.
ورغم استنكار دول العالم وإدانتها بأشد العبارات انتهاكات إيران لسيادة الدول العربية التي تمكنت منظومات الدفاع الجوي فيها من التصدي لموجات من الصواريخ والطائرات المسيّرة، فإن تلك الهجمات الإيرانية إنما تأتي في إطار معادلة توسيع نطاق المواجهة العسكرية لأجل تصدير الحرب للمنطقة برمتها بما يشبه تصدير الثورة الخمينية البائدة عبر أذرعها العسكرية مثل الحشد الشعبي وعصائب أهل الحق في العراق وحزب الله في لبنان والفصائل الحوثية في اليمن التي لا زالت تخشى من عواقب إغلاق باب المندب رغم تعليمات إيران لجماعة الحوثي بإغلاق باب المندب، ولاسيما أنها كانت تلقّت ضربات أميركية موجعة عندما استهدفت السفن التجارية خلال فترة الحرب على قطاع غزة.
كانت الحرب بين طهران والولايات المتحدة توقفت خلال جولات من المفاوضات برعاية الوسيط الباكستاني، لكنها عادت بعد ثلاثين يوماً واشتعلت مجدداً عندما استهدفت القوات الإيرانية عدداً من السفن التجارية في مضيق هرمز، حيث لازالت إيران تنتهك اتفاقية قانون البحار وتهدّد حرية الملاحة في أحد اهم الممرات البحرية التي تمر من خلاله شحنات الطاقة لكل دول العالم، إضافة لاستهدافها قبل يومين محطات توليد الطاقة وتحلية المياه في الكويت وكذلك قاعدة التنف في سوريا وقاعدة العديد في قطر، بعد أن ضربت القوات الأمريكية مواقع للبنى التحتية كالجسور والسكك الإيرانية وأبراج المراقبة لعزل جنوب إيران وقطع خطوط الإمداد عن منطقة بندر عباس القريبة من مضيق هرمز، كما شملت الضربات ليوم الجمعة الماضي الميناء البحري في جابهار والأحواز والمطار في إيرانشهر، إضافة للجسور والسكك الحديدية في بندر عباس وسيريك.
عموماً، من الواضح أن إيران تتعمد في المقابل استهداف مواقع البنية التحتية في الأردن ودول الخليج العربي لإشعال المزيد من الحرائق وإحداث خسائر بشرية وأضرار مادية كبيرة في مواقع إمدادات الطاقة ومواقع مدنية أخرى، مما يشير إلى أن طرفي الحرب لا يرغب أي منهما في العودة لطاولة المفاوضات وإنهاء الحرب التي طالت تداعياتها الدول المجاورة رغم التزام هذه الدول بالحياد التام والمطالبة باحترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، لكن التيار المتشدد في إيران يصر على إطلاق الصواريخ باتجاه الدول الإسلامية المجاورة بدافع أحقاد أيديولوجية طائفية، كما يتضح لنا من خلال استهدافها للمنشآت المدنية والسكنية في عمان وقطر والبحرين والكويت والإمارات بذريعة قصف القواعد الأمريكية ما يؤكد انتهاك إيران للقانون الدولي الإنساني وقانون البحار.
يبقى أن أشير من خلال هذا المنبر الصحفي إلى أن إيران نقضت تعهداتها فيما يتعلق بمذكرة التفاهم مع واشنطن عندما خرقت وقف إطلاق النار وتراجعت عن التزاماتها بعدم اعتراض السفن في مضيق هرمز وحاولت مجدداً فرض سيطرتها على إدارة المضيق, وبالتالي ينبغي على الأمم المتحدة أن تدعو الدول الأعضاء في مجلس الأمن الدولي لبحث إنهاء الحرب وإعادة إحياء مذكرة التفاهم لتجنّب تصعيد المواجهات العسكرية بين الطرفين قبل أن تتطور المواجهات العسكرية لتشمل مناطق أخرى في الشرق الأوسط أو لتفادي وصولها إلى مرحلة حرب عالمية ثالثة لا تبقي ولا تذر، على أن يناقش أيضاً مجلس الأمن في حال انعقاده تقديم تعويضات من أصول إيران المجمّدة للدول التي تعرضت منشآتها النفطية والمدنية للقصف الإيراني وأحدثت فيها خسائر مادية كبيرة، إضافة لتولي محكمة العدل الدولية مسؤولياتها بعد انتهاء الحرب للنظر في مسألة إصدار مذكرات اعتقال لمخالفي قانون البحار ولمرتكبي جرائم الحرب ممن استهدفوا دولاً أخرى لا علاقة لها بالحرب الإيرانية مع الولايات المتحدة الأمريكية.