«الجزيرة» - محمد بن عبدالله آل شملان:
من سفوح عسير الباردة، وحيث تلتقي قمم الضباب بروح العطاء، تولد حكاية تجمع بين سحر المكان وعمق الإنسان، هناك، حيث يغسل المطر وجه الجبال ويملأ الأجواء بنقاء آسر، تدرك أن عظمة الأوطان لا تصنعها الطبيعة وحدها، بل تصيغها قلوب رجال نذروا أنفسهم لخدمة مجتمعاتهم، وحملوا هموم البناء والتنمية أينما حلوا وحيثما ارتحلوا.
في قلب تلك الأجواء الشاعرية، كنا على موعد مع ليلة ليست ككل الليالي. زرنا الوجيه ستر بن عبدالعزيز آل راكان، بصحبة ثلة من الأصدقاء: قبلان بن محمد الحزيمي وراشد بن ظافر الحقباني ومحمد بن ناصر آل مسحل في مقر إقامته السياحية وسط ربوع عسير، كنا نظن أننا سنمضي سويعات في الحديث عن جمال الجو العليل، ودفء اللقاء، والترويح عن النفس في إجازة مستحقة لرجل أعمال أثقلت كاهله الالتزامات.
لكننا وجدنا أنفسنا أمام قامة وطنية لم تستطع بهجة الاسترخاء ولا هدوء الطبيعة أن تنسيه نبض المسؤولية، لتتحول الجلسة الأخوية بين يديه إلى منارة فكر تنموي يمتد أثره متجاوزاً حدود المكان ليصل إلى قلب وادي الدواسر.
تنفسنا نسيم عسير العليل، لكن الحوار مع الوجيه ستر آل راكان سرعان ما طار بنا نحو آفاق أرحب وأعمق. فمن قلب الجنوب الشامخ، تحول بوصلة الحديث نحو وادي الدواسر، ذلك الوادي العريق النابض بالفرص والمستقبل. دارت بيننا حوارات شيقة ومطولة، تعمقنا فيها حول مفاهيم التنمية المستدامة، وكيف يمكن للمستثمر الوطني والوجيه المجتمعي أن يكون شريكاً حقيقياً وبنّاءً في صياغة الحاضر وبناء المستقبل، متناغمين مع الرؤية الطموحة للمملكة.
كان آل راكان يتحدث بنبرة تملؤها العاطفة الصادقة والغيرة الوطنية على نماء كل شبر في هذا الوطن المعطاء. بالنسبة له، لم تكن الوجاهة يوماً مجرد لقب، ولم يكن المال مجرد أرقام في السجلات، بل رآهما أمانة ورسالة، وقوة دافعة لتطوير المجتمعات المحلية والارتقاء بها.
تداولنا الأفكار حول تذليل العقبات التنموية في الوادي، وبدا واضحاً في حديثه أنه لا ينظر إلى التحديات كعوائق، بل كفرص واعدة تنتظر من يطرق أبوابها بجد وإخلاص ليفتح من خلالها أبواب الخير والنماء لأهالي المحافظة وللأجيال القادمة.
إن ما يميز فكر الوجيه ستر بن عبدالعزيز آل راكان هو أنه فكر لا يقف عند حدود التنظير أو الأمنيات الإنشائية؛ بل هو فكر يترجم فوراً إلى واقع ملموس وعمل دؤوب. وقد تجسد ذلك بوضوح في استعراض مبادرته الرائعة التي يقدمها كدعم لوجيستي متكامل ومستمر لملفات الوادي التنموية لتسريع عملية تلبية احتياجات الأهالي والمشاريع المتعثرة أو المطلوبة في وادي الدواسر، بين الجهات الحكومية والهيئات والوزارات في العاصمة.
خرجنا من تلك الأمسية العسيرية ونحن نحمل تقديراً مضاعفاً لهذا الرجل. لقد ألهمتنا تلك الجلسة وأكدت لنا أن المواطنة الحقيقية هي الشغف المستمر بالبناء، وأن العطاء الصادق لا يعترف بالإجازات أو المسافات.