بريدة - خاص بـ«الجزيرة»:
أكد الدكتور محمد بن عبدالله بن علي الخضيري أستاذ العقيدة بجامعة القصيم سابقاً، المهتم بالشؤون الاجتماعية والأسرية أن مشكلة المباهاة والمبالغة في حفلات الزواج، وما يصاحبها من تكاليف باهظة، ومظاهر مرهقة، وأعباء مالية تثقل كاهل الزوج وأهله، وولي المرأة وأسرته، وهي من المشكلات الاجتماعية الظاهرة في مجتمعنا، وخصوصًا في بعض مناطق المملكة ومنها منطقة القصيم، مشيراً إلى أن المشكلة لا تتعلق بالمهور؛ فإنها لا تزال في الجملة في مستواها المعتاد، ولم تتجاوز غالبًا ما عُرف منذ عقود من السنين، كخمسين ألف ريال تقريبًا، وهذا ليس هو موضع الإشكال، وإنما الإشكال الأكبر اليوم في مظاهر الحفلات نفسها، سواء في حفلات الرجال أو النساء؛ فقد أصبحت القاعات والقصور، والضيافة، والاستعدادات، والحلويات، والتجهيزات، والتصوير، والزينة، وسائر المظاهر، تكلّف أضعاف ما كان يُتصور من قبل، بل تتجاوز تكاليفها مقدار المهر نفسه عدة أضعاف. وهذه التكاليف لا يقدر عليها كثير من الأزواج، ولا يستطيعها كثير من أولياء البنات الذين جرت العادة ـ للأسف ـ بتكفلهم بالضيافة والقاعة وملحقاتها، ومع ذلك يمضي الناس فيها تحت ضغط العادة، وخشية الملامة، ومجاملة المجتمع، وتحت تأثير النساء ومن يدور في فلك المظاهر والمنافسة الاجتماعية؛ فيضطر الزوج إلى الاستدانة، ويضطر ولي العروس، سواء كان والدها أو إخوانها، إلى دفع مبالغ كبيرة لإقامة حفلة من المؤكد أنه لا يريدها في قرارة نفسه، ولكنه يخشى كلام الناس، أو لا يجد الشجاعة الكافية لمخالفة السائد.
واسترسل د. محمد الخضيري في حديثه لـ»الجزيرة»: وهنا تبدأ القضية من موضعها الصحيح: كيف ومتى يبدأ التغيير؟ الجواب باختصار من الفكر والقناعة؛ فلا يمكن أن يتغير سلوك المجتمع إلا إذا تغيرت قناعته، والسلوك فرع عن الفكر والتصور، والناس لا يتركون عادة راسخة بمجرد الكلام العام، والتثقيف المجرد، بل لا بد من بناء قناعة فكرية واجتماعية راسخة بأن هذه المبالغات لا قيمة حقيقية لها، وأن أولى الناس بهذه الأموال هما الزوجان وبيت الزوجية، لا ليلة واحدة تنقضي، ومظاهر يطويها النسيان.
وشدد د. محمد الخضيري على الحاجة أن نعود إلى الزواج العائلي المختصر المبارك، الذي تتحقق فيه مقاصد النكاح، وتظهر فيه الفرحة، وتحفظ فيه النعمة، دون إسراف ولا مباهاة ولا تكلف، ومن تأمل واقع المناسبات، خاصة في الإجازات والمواسم، وجد أن الإنسان قد يُدعى في الليلة الواحدة إلى أكثر من زواج، فيتنقل بين القاعات مجاملة، ويجد المدعو نفسه متكلفًا في الحضور، كما يجد أصحاب الزواج أنفسهم متكلفين في الضيافة والاستعداد؛ فالكل مرهق، والكل يعلم أن في الأمر مبالغة، لكن السؤال الصعب هو: من يبدأ؟ ومن يعلّق الجرس؟
ولذلك لا بد من طرح الموضوع بجدية، لا على سبيل الشكوى العابرة، بل على سبيل الإصلاح الاجتماعي المنظم، ولا يكفي أن تتحدث وسائل الإعلام، أو منابر الجوامع، أو المؤسسات التعليمية عن التيسير حديثًا عامًا، مع أهمية ذلك، بل نحتاج إلى نقل القناعة من مستوى الكلام إلى مستوى الممارسة.
وقدم د. محمد الخضيري مجموعة من وسائل تغيير القناعة، ومنها:
أولا: التأصيل الشرعي: ينبغي أن يُبيَّن للناس أن تيسير الزواج عبادة وقربة، وليس مجرد وسيلة لتوفير المال؛ فقد جاءت الشريعة بالحث على تيسير النكاح، والنهي عن الإسراف والتبذير والمباهاة، وإذا اقتنع الناس أن التيسير امتثال لأمر الله، وأن ترك الإسراف عبادة، وأن البركة أقرب إلى البساطة والصدق منها إلى التكلف والمظاهر، كان أثر ذلك في النفوس أعظم من مجرد الحديث عن الاقتصاد والتوفير.
الوسيلة الثانية: إبراز الأضرار الواقعية للمبالغة في الحفلات.
فمن آثار هذه المبالغات: تأخر سن الزواج، وتراكم الديون على الزوج، وبداية الحياة الزوجية بضغوط مالية، وعزوف بعض الشباب عن الزواج، ووقوع الخلافات بين الزوج وزوجته، أو بين الزوج وأهلها، أو بين ولي العروس ومن يضغط عليه من النساء والقريباwت، وكم سمع الناس عن خلافات بدأت بسبب تفاصيل حفلة أو قاعة أو ضيافة أو ترتيبات لا يطيقها الأب ولا الزوج، وربما وصل الأمر في بعض الحالات إلى النفور أو الطلاق أو تعكير صفو الزواج منذ بدايته، ومن المؤلم أن تكون بداية بيت جديد مبنية على الديون والضغوط والمقارنات، بدل أن تكون بداية ميسرة مباركة، يتعاون فيها الجميع على بناء الأسرة لا على إنهاكها.
الوسيلة الثالثة: إظهار النماذج الناجحة: إذا سلّط المجتمع الضوء على الأسر التي أقامت حفلات ميسرة، واكتفت بالزواج العائلي المختصر، ثم نجحت مناسباتها، وفرح أهلها، وبارك الناس لها، صارت قدوة عملية لغيرها؛ فالناس يتأثرون بالفعل أكثر من القول، ويحتاجون إلى نماذج شجاعة تكسر حاجز الخوف الاجتماعي.
الوسيلة الرابعة: دور عقلاء الأسر والعوائل: وقد وُجدت بحمد الله في كثير من الأسر صناديق عائلية، ومجالس أسرية، ولجان اجتماعية، وهذه يمكن أن تؤدي دورًا مهمًا في ترشيد الزواج؛ فلا ينبغي أن يقتصر دورها على الاجتماعات أو الدعم المالي أو المناسبات العامة، بل من أعظم أدوارها أن تقود إصلاحًا اجتماعيًا داخل الأسرة، وأن تطرح هذا الموضوع بصراحة وهدوء، وأن تدعو أبناء الأسرة وبناتها إلى التخفيف.
الوسيلة الخامسة: إصدار ميثاق ونظام أسري لترشيد حفلات الزواج، حيث تتفق الأسرة أو العائلة على ميثاق واضح، يقال فيه مثلًا: نحن أبناء هذه الأسرة نتواصى بتيسير الزواج، وترك المبالغة في الحفلات، والاكتفاء بالمناسبات المختصرة، وعدم تحميل الزوج أو ولي العروس ما لا يطيق، وعدم جعل القاعات الفاخرة والمظاهر المكلفة معيارًا للمكانة والكرامة، بل تكون الكرامة في البركة، وصلة الرحم، وحسن النية، وحفظ المال، وإعانة الزوجين على بداية حياة مستقرة، ويمكن أن يتضمن الميثاق أمورًا عملية، مثل تحديد عدد المدعوين، والاكتفاء بقاعة مناسبة غير مكلفة، أو إقامة الزواج في نطاق عائلي، أو تقليل الولائم، أو منع بعض المظاهر الزائدة، وأن لا يُلام من اختصر حفلته، بل يُشكر ويشجع ويُدعى له ويُجعل قدوة، والأهم من ذلك كله أن يبدأ بعض العقلاء والمقتدرين ممن يقتدى بهم بالتطبيق عمليا، لا أن ينتظر كل واحد غيره؛ فإن المشكلة أن الجميع مقتنع في المجالس الخاصة، لكن عند التطبيق يتراجع كثيرون خوفًا من كلام الناس، ولو أن أسرة واحدة بدأت، ثم تبعتها أخرى، ثم ثالثة، لصار الأمر عادة جديدة، كما كانت المبالغة عادة قديمة.
الوسيلة السادسة: أين دور المرأة؟: المرأة أما أو زوجة أو بنتا أو أختا هي الأساس في الموضوع وهي حجر الزاوية، فلها حضورها البارز في الزيجات بدءاً من الخطبة ومروراً بالتجهيزات وانتهاء بالحفل ومتطلباته؛ فمن الضروري إقناع النساء بحجم المشكلة وأن يكون لهنّ دور فاعل ومؤثر في مشروع التخفيف، وإن لم تكن المرأة سبباً في الحلّ فعلى الأقل لا تكون سبباً في مضاعفة المشكلة بما تمارسه من ضغوطات على الرجال لإقامة الحفلات بصورة باهظة ومكلفة.
الوسيلة السابعة: مقاومة عدوى المقارنة والتمظهر الزائف، وأكبر ناقل لهذه العدوى هو المبالغة الزائدة في تصوير حفلات الزواج وجلب المصورين بمبالغ طائلة ثم المونتاج والإخراج ثم النشر والتداول في المواقع والمنتديات ووسائل التواصل، وفي الحقيقة أن مظاهر التصوير حالياً والتزاحم عند العريس أفقد الزواج فرحته وبهاءه، بل وهمّش مكانة المدعوين من الأقارب وبالذات كبار السن والمشايخ والفضلاء، بل قضى على روح البساطة والحفاوة بالمدعوين والضيوف والتبسط معهم والسؤال عن أحوالهم الذي هو أحد مقاصد الاجتماعات والأفراح.
الوسيلة الثامنة: أن تبادر الجمعيات الاجتماعية المعنية بالزواج ودعم الراغبين في الزواج لطرح حزمة من الإجراءات الداعمة لتخفيف تكاليف حفلات الزواج، ومن ذلك إعادة مشروع الزواج الجماعي، حيث إن التغيير الاجتماعي لا يقع دفعة واحدة، ولكنه يبدأ من قناعة صادقة، ثم قرار شجاع، ثم نماذج عملية تتكرر حتى تصبح عرفًا مقبولًا، وليس المقصود إلغاء الفرح، ولا التضييق على الناس، ولا تحويل الزواج إلى مناسبة باهتة؛ بل المقصود أن نفرح بلا إسراف، وأن نكرم بلا مبالغة، وأن نحتفل بلا ديون، وأن نعين الزوجين على بناء بيت سعيد بدل أن نرهقهما من أول ليلة.
فليتق الله الآباء والأمهات، والأزواج والزوجات، والأسر والعوائل، وليتعاونوا على البر والتقوى، وليجعلوا من الزواج بابًا للستر والرحمة والبركة، لا بابًا للدَّين والمنافسة والمباهاة.
والله المسؤول أن يصلح أحوال المسلمين، وأن يبارك في بيوتهم، وأن يرزق شبابهم وفتياتهم زواجًا ميسرًا مباركًا، وأن يعين المجتمع على ترك الإسراف والتكلف، والرجوع إلى البساطة الجميلة التي تجمع بين الفرح والبركة وحسن التدبير.