«الجزيرة» - وائل العتيبي:
قدم معرض «شخصيات عامة»، المقام بالتعاون مع مركز سرد الثقافي بجامعة الملك سعود، تجربة بصرية تجاوزت استعادة ملامح الشخصيات المعروفة إلى مساءلة الذاكرة ذاتها: كيف يحتفظ المجتمع بوجوهه؟ وكيف يستطيع الفن أن يمنح الشخصيات العامة حياة أخرى، تتجاوز حضورها في الواقع إلى حضور بصري يستعيد أثرها في الوجدان؟
وعلى مدى ثلاثة أيام، من 21 إلى 23 يوليو، قدّم المعرض تجربة تتقاطع فيها الفنون التشكيلية مع الذاكرة والتاريخ والهوية، عبر أعمال تستعيد شخصيات عامة من مجالات مختلفة، وتعيد تقديمها من خلال اللون والخط والتكوين؛ لا بوصفها صورًا جامدة، بل حكايات مفتوحة على التأويل.
وكشف المعرض عن قدرة الفن التشكيلي على تحويل الوجه إلى مساحة للقراءة؛ فالملامح لا تظهر هنا باعتبارها تفاصيل شكلية فحسب، بل علامات تختزن زمنًا وتجربة وأثرًا. ومع اختلاف الأساليب الفنية، تتعدد طرق النظر إلى الشخصية الواحدة، وتتسع المسافة بين الصورة التي نعرفها، والصورة التي يعيد الفنان اكتشافها.
وفي فضاء مركز سرد الثقافي، تتجاور الأعمال بوصفها ذاكرة بصرية متعددة الأصوات؛ فكل لوحة تستعيد شخصية، لكنها في الوقت ذاته تستعيد مرحلة أو موقفًا أو أثرًا تركته تلك الشخصية في المجال العام. وهنا، لا يعود المعرض مجرد احتفاء بالوجوه المعروفة، بل يصبح محاولة لفهم الكيفية التي تتحول بها الشخصيات إلى جزء من الذاكرة الجمعية.
وبرزت أهمية المعرض في كونه يضع الفن التشكيلي أمام سؤال يتجاوز الشكل: ماذا يبقى من الإنسان بعد أن يغيب عن المشهد؟ قد تبقى صورته، أو أعماله، أو أثره حاضرًا في ذاكرة الآخرين. وفي هذه المساحة تحديدًا، يأتي الفن ليمنح الذاكرة لغة أخرى؛ لغة اللون والخط والضوء، ويعيد بناء الحضور من خلال الرؤية، لا من خلال التوثيق وحده.
وأكد معرض «شخصيات عامة» أن الفن لا يكتفي باستعادة الماضي، بل يعيد النظر فيه. فكل وجه مرسوم هو قراءة جديدة، وكل ملامح يعيد الفنان صياغتها تحمل احتمالًا آخر للحكاية. وبين الذاكرة واللوحة، تتشكل مساحة إنسانية يصبح فيها الفن وسيلة لاستعادة الأثر، لا مجرد تسجيل للصورة.
وبذلك، قدّم المعرض تجربة بصرية جعلت من الشخصيات العامة مدخلًا إلى أسئلة أوسع حول الذاكرة والهوية والحضور، واكدت أن الفنون التشكيلية قادرة على أن تمنح الوجوه حياة أخرى؛ حياة لا تنتهي بانتهاء حضور أصحابها، بل تستمر كلما أعاد الفن النظر إليهم، وكلما وجد المتلقي في ملامحهم شيئًا من ذاكرته الخاصة.