نواف بن عبد العزيز آل الشيخ
منذ أعوام، اعتدت أن أقضي جزءاً من إجازتي السنوية في الجنوب الإسباني، حيث البحر المفتوح على الأفق، والجبال التي تلامس الغيم، والمدن التي تختزن في طرقاتها تاريخاً طويلاً، وثقافاتٍ متعددة، ولغةً مختلفة، وحياةً مغايرة لما اعتدناه.
في زياراتي الأولى، كان كل شيء يلفت انتباهي، طبيعة المكان، وتفاصيل الناس، واختلاف العادات، وبقايا الحضارة الأندلسية التي ما زالت حاضرةً في العمارة والأسماء والطرقات، حتى يخيل إليك أن التاريخ لم يغادر المكان تماماً، وأن شيئاً من الذاكرة العربية لا يزال يسكن جدرانه.
لكن أجمل ما بقي في ذاكرتي من الجنوب الإسباني لم يكن بحراً ولا جبلاً ولا مدينة، بل كان لقاءً إنسانياً عزيزاً جمعني بوالدنا خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، حفظه الله وأطال في عمره.
هناك، بعيداً عن أرض الوطن، رأينا فيه الأب قبل الملك؛ بطيبته المعهودة، وبشاشته التي تأسر القلوب، وقربه من أبناء وطنه، وحرصه الدائم على السؤال عنهم والاطمئنان عليهم، لم يكن اللقاء عابراً، بل كان شعوراً بالوطن كله وهو يقترب منك، ويحتضنك، ويشعرك بأن المسافات مهما امتدت، تظل المملكة حاضرةً في القلب وفي الوجدان.
ولا أنسى ذلك اليوم الجميل حين أتيت للسلام عليه وسألني عن والدي وجدّي ثم شرّفني بدعوته للصلاة معه يوم الجمعة في جامع الملك عبدالعزيز، طيب الله ثراه، ذلك الجامع الذي أمر ببنائه خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز، رحمه الله وجزاه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء ليكون منارةً للصلاة والذكر، ومعلماً يحمل اسم المؤسس في أرضٍ بعيدة، وكأنه رسالة تقول إن الوطن لا تغيب آثاره أينما حل أبناؤه.
وبعد الصلاة، كان لي شرف تناول وجبة الغداء معه في بيته العامر بوجود أبنائه الأمراء الكرام، وسط جمعٍ من المواطنين السعوديين الذين اعتاد -حفظه الله- أن يفتح لهم مجلسه وقلبه، ويجمعهم حوله في ذلك اليوم، وهي عادة تكشف جانباً أصيلاً من شخصيته، فالملك سلمان عُرف دائماً بقربه من الناس، ووفائه لهم، وحرصه على أن تبقى الصلة بينه وبين أبناء وطنه صلة الأب بأبنائه، لا تحجبها المناصب ولا تغيّرها الأماكن.
كانت لحظات بسيطة في ظاهرها، لكنها كبيرة في معناها، لأنها لم تكن مجرد دعوة إلى صلاة أو مائدة، بل كانت صورةً صادقة للأبوة والوفاء والتواضع، ودليلاً على أن القائد الحقيقي لا يسكن القلوب بمنصبه فقط، وإنما بأخلاقه واهتمامه وقربه من الناس، وهي عادة ولاة أمرنا فجزاهم الله عنّا خير الجزاء.
تمر الأعوام، وتتغير المدن والوجوه، وتتعاقب الإجازات، لكن بعض المواقف لا تمر، وبعض الذكريات لا يطويها الزمن؛ لأنها تُكتب في القلب قبل أن تُحفظ في الذاكرة.
وكلما عدت إلى الجنوب الإسباني، عادت معي تلك اللحظات الجميلة، وشعرت أن للمكان معنى آخر؛ معنى ارتبط بوالدٍ وقائدٍ كبير، أسرنا بحنانه وطيبته، وترك في نفوسنا أثراً لا يغيب.
حفظ الله خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وسمو ولي عهده الأمين الأمير محمد بن سلمان وأمدّهم بالصحة والعافية، وجزاهم عن وطننا وشعبنا خير الجزاء، وجعل هذه البلاد آمنةً مطمئنة، عامرةً بقادتها وأبنائها وذكرياتها الجميلة.
** **
- كاتب وباحث في الشؤون الاجتماعية