«الجزيرة» - وائل العتيبي:
ثمة تاريخ ثقافي لا يظهر كاملًا في الكتب، ولا تلتقطه محاضر الاجتماعات، ولا تختصره أسماء الرؤساء وتواريخ التأسيس. تاريخ آخر يتشكل في التفاصيل الصغيرة: في صداقة تمتد عقودًا، واختلاف لا يفسد الود، وأمسية تثير جدلًا، واسم يترك أثرًا، وحكاية تبقى في ذاكرة من عاشوا التجربة من الداخل.
من هذه المنطقة تحديدًا، استعاد الأديب والقاص والإعلامي السعودي محمد علي قدس جانبًا من تاريخ نادي جدة الأدبي، خلال محاضرة «خلف كواليس النادي: أيامي مع أدباء جدة»، التي استضافتها أسبوعية الدكتور عبدالمحسن القحطاني الثقافية في جدة، وأدارها الأستاذ محمد باوزير.
ولم يكن اللقاء مجرد استعادة لذكريات شخصية، بل شهادة على مرحلة واسعة من الحراك الأدبي والثقافي في جدة، من خلال أحد الذين ارتبطوا بالنادي طويلًا، وعاشوا تحولاته من الداخل، وعاينوا علاقاته وأسماءه ووقائعه، قبل أن تتحول كثير من تلك التفاصيل إلى جزء من الذاكرة الثقافية للمدينة.
حين يصبح الصديق شاهدًا على مرحلة استهل مدير اللقاء حديثه باستعراض السيرة الأدبية والثقافية لمحمد علي قدس، الذي ارتبط اسمه بنادي جدة الأدبي منذ نحو أربعة عقود، وشغل منصب أمين السر فيه قرابة عقدين، بين عامي 1982 و2006، إلى جانب عمله مستشارًا ثقافيًا وإعلاميًا، ومديرًا لتحرير مجلة الطيران المدني.
كما امتدت تجربته إلى الأدب والإعلام؛ فكتب القصة القصيرة والمقالة، وأسهم في التوثيق الثقافي، وأعد وقدم برامج إذاعية وتلفزيونية، من بينها «قصة من الأدب السعودي» و«تمرة وجمرة».
وعقب ذلك، تحدث قدس عن صداقته بالدكتور عبدالمحسن القحطاني، التي امتدت خمسة عقود، واصفًا علاقة طويلة لم تفسدها الخلافات، وإن حضرت الاختلافات، فقد كانت – كما قال – تكاملية لا ضدية.
وفي هذه العلاقة الشخصية، بدا أن اللقاء يتجاوز حدود السيرة الفردية؛ فالصداقة الطويلة بين رجلين من أجيال الثقافة السعودية تحولت إلى نافذة على مرحلة كاملة، بما فيها من اختلافات وتقاطعات وتكاملات.
وأكد قدس أن عبدالمحسن القحطاني جدير بأن يكرّمه المجتمع الثقافي دائمًا، تقديرًا لإسهاماته الأكاديمية والثقافية ودوره في المشهد الأدبي السعودي.
من حسن عواد إلى «الحقبة الذهبية»
استعاد قدس محاضرته السابقة في الأسبوعية، التي تحدث فيها عن أيامه مع الأديب حسن عواد، قبل أن ينتقل إلى مراحل مختلفة من تاريخ نادي جدة الأدبي، متوقفًا عند فترة رئاسة الدكتور عبدالمحسن القحطاني للنادي.
غير أن عبد الفتاح أبو مدين احتل مساحة بارزة من حديثه، إذ وصف فترة رئاسته للنادي بأنها «حقبة ذهبية»، في إشارة إلى مرحلة شهدت حراكًا أدبيًا وثقافيًا واسعًا، وأسهمت في ترسيخ حضور النادي بوصفه أحد مراكز الحركة الثقافية في جدة.
ومن أكثر المحطات التي استعادها دلالة، حديثه عن الحضور النسائي في الأمسيات الشعرية خلال فترة رئاسة أبو مدين؛ وهي خطوة أثارت آنذاك اعتراضات من بعض المتشددين، وكادت أن تفضي إلى أزمة تهدد منصبه، بعدما تحولت تعقيبات الرافضين إلى ما يشبه إفساد تلك الليلة الثقافية.
ولم تتوقف الحكاية عند هذه الواقعة، بل امتدت إلى أحداث أخرى شهدها النادي، وصولًا إلى تعيين الدكتور عبدالمحسن القحطاني عضوًا في مجلس الإدارة، ثم انتخابه رئيسًا للنادي.
ما لا تقوله محاضر الاجتماعات
استطرد قدس في استعادة أحداث ووقائع توالت على مر السنين داخل أروقة النادي وردهاته، مؤكدًا أن ما ذكره ليس سوى «غيض من فيض»، وأن الحديث عن جدة وأدبائها يطول.
وهنا بدت قيمة الشهادة في أنها لا تستعيد أسماء فقط، بل تستعيد طبيعة الحياة الثقافية نفسها؛ فالمؤسسات لا تُبنى باللوائح وحدها، ولا تُقاس مسيرتها بالقرارات الرسمية فقط، بل بما ينشأ داخلها من علاقات، وما يدور حولها من نقاش، وما تتركه في ذاكرة أعضائها وجمهورها.
ومن هذه الزاوية، بدا «خلف كواليس النادي» عنوانًا يتجاوز معناه المباشر؛ فالكواليس هنا ليست مكانًا خلفيًا، بل مساحة تكشف الإنسان الذي يقف خلف المؤسسة، والتجربة التي لا تظهر كاملة في الواجهة.
مداخلات تستعيد أكثر من ذاكرة
شهدت الأمسية مداخلات شارك فيها الدكتور محمد خضر الشريف، والمهندس سعيد فرحة الغامدي، والدكتور يوسف العارف، والمخرج عادل زكي، والمذيع محمد الراعي، والسفير محمد أحمد طيب، والأستاذ غياث الشريقي، والدكتور محمود الثمالي.
وقد وسعت المداخلات نطاق الحوار من التجربة الشخصية إلى أسئلة تتصل بتاريخ النادي الأدبي، ودوره في الحراك الثقافي، وتحولاته، وما بقي من أثره في الذاكرة الأدبية والثقافية في جدة.
وفي تعقيبه، تحدث قدس عن الميزانيات الحكومية المرصودة للأندية الأدبية، معتبرًا أن النادي الأدبي يعيش حاليًا مرحلة وصفها بـ«استراحة المحارب»، كما توقف عند بعض التفاصيل الإدارية التي رافقت تجربته داخل النادي، موضحًا أن تسمية «أمين السر» لم تكن، في رأيه، الأدق، وأن «السكرتير» هو المسمى الأصح.
وأكد أن جيلهم حرص، بقدر الإمكان، على إرساء سبل الريادة والوفاق للأجيال القادمة، كما أشار إلى أنهم كانوا يتجنبون المشاحنات والقضايا الشائكة في مضامين المحاضرات التي كانت تقام في النادي.
من حكايات الجدة
إلى صناعة السرد
ومن أكثر الجوانب الإنسانية في حديثه، إشارته إلى دور جدته في توريثه النهج القصصي؛ وهي إشارة تفتح نافذة على البدايات الأولى للتجربة الأدبية، حيث قد لا يبدأ السرد من كتاب، بل من حكاية تُروى، وذاكرة تُصغى إليها، وبيئة تمنح صاحبها حس التقاط التفاصيل.
وأشاد قدس بدور النادي الأدبي في إثراء الحراك الثقافي في جدة، معلنًا قرب صدور كتاب مقتبس من برنامجه الإذاعي السابق، في امتداد لتجربة جمعت بين الأدب والإعلام والتوثيق.
حين يصبح التوثيق وفاءً للذاكرة
اختتمت الأمسية بتكريم السفير محمد أحمد طيب لمحمد علي قدس، فيما كُرّم الأستاذ محمد باوزير من قبل الدكتور صالح الشحري.
لكن اللقاء، في جوهره، تجاوز لحظة التكريم؛ فقد أعاد طرح أهمية الذاكرة الشخصية بوصفها مصدرًا من مصادر التاريخ الثقافي، خصوصًا حين تتصل بشخصيات ومؤسسات عاشت تحولات المشهد من الداخل.
فمحمد علي قدس لا يتحدث عن نادي جدة الأدبي بوصفه مؤرخًا يقف خارجه، بل بوصفه واحدًا من الذين عاشوا تجربته، وشاركوا في تفاصيله، وشهدوا اختلافاته وتحولاته.
ولهذا، فإن حديثه عن النادي لم يكن حديثًا عن مؤسسة ثقافية فقط، بل عن زمن كانت فيه الثقافة تُصنع بالحضور، والاختلاف، والصداقات، والجدل، والقدرة على تحويل المكان إلى ذاكرة.
وربما تكمن أهمية مثل هذه اللقاءات في أنها تذكّر بأن التاريخ الثقافي لا يُكتب فقط بما تحفظه الأرشيفات، بل أيضًا بما يتذكره الذين عاشوا الحكاية.
وفي جدة، حيث تتقاطع الذاكرة الأدبية مع تاريخ المدينة، تبدو شهادة محمد علي قدس محاولة لاستعادة ما لا تقوله الوثائق كاملة؛ أسماء صنعت المشهد، وأجيال اختلفت وتجاورت، ومؤسسة لم تكن مجرد مقر للفعاليات، بل أحد الأماكن التي تشكلت فيها ملامح الحياة الثقافية السعودية.