«الجزيرة» - محمد لويفي الجهني:
من خلال تتبعي لتاريخ الحوراء، المشهورة عبر العصور بتاريخها العريق وآثارها التي ما زالت باقية قرب محافظة أملج (التي تُعرف اليوم باسم أملج)، اطلعت على عدد من الكتب التي وثّقت تاريخ الحوراء وأحداثها وأوصافها.
وقد وصفها عبدالقادر الجزيري، الذي مرّ بها عام 957هـ، بأنها قرية من قرى الحجاز، تُباع فيها العجوة، ويُصاد السمك فيها على يد جماعة من الصيادين في قوارب صغيرة. كما ذكر أن ماءها حفائر شديدة الملوحة، وأنها تقع بجانب البحر، وأن المراكب المتجهة إلى الحجاز كانت تستقي منها، وفيها أيضًا شجر الأراك.
وفي كتاب «عجائب البلدان» ورد أن الحوراء قرية صغيرة، وبها معدن البرام الذي يُحمل إلى سائر أقطار الأرض، وأن أهلها يشربون من آبار عذبة. أما السيد محمد بن عبد الله الحسيني المدني، المعروف بـ»كبريت»، فقد مرّ بها عام 1039هـ، وذكر أن الحوراء تشتمل على أشجار ملتفة، وبها شجر الأراك وأطيار متنوعة، إلا أن ماءها شديد الكدورة وملوحته عالية.
كما ذكر علامة الجزيرة العربية حمد الجاسر رحمه الله أن من أعجب ما في الحوراء بيوتًا مبنية من عظام الإبل، وقد أشار إلى أغلب هذه المعلومات في كتابه «بلاد ينبع».
وللتوضيح والتعليق على هذه الأوصاف، فإنها صحيحة إلى حد كبير؛ فمن يمر بالقرب من البحر يجد عيون ماء في حفائر، تكون عذبة في أصلها لكنها تختلط بماء البحر فتغدو مالحة. أما من يسلك الطريق البعيد عن البحر، فيجد عيون ماء عذبة صافية. وقد ذكر لي أحد الصيادين قديمًا أن هناك عيون ماء عذب تنبع من الشاطئ وتختلط بمياه البحر، وقد شاهدت بعيني إحدى هذه العيون، ولا يعرف موقعها إلا أهل الخبرة، خاصة عند جَزر البحر.
أما معدن البرام الذي كانت الحوراء تُصدره إلى مختلف أنحاء العالم، فقد بحثت عنه في جبال أملج، فوجدت أكثر من موقع صناعي حجري يُصنع فيه الرحى والتماثيل والمجسمات وغيرها. ويُعد حجر البرم حجرًا مميزًا، ليس كأي حجر؛ إذ يمتاز بقابليته للنحت، وعدم امتصاصه للسوائل، ومقاومته للحرارة. لذلك اشتهرت الحوراء (أملج) بالصناعة الحجرية وصدّرتها إلى مختلف أنحاء العالم.
قال الشاعر طرفة:
جاؤوا إليك بكل أرملةٍ..
شعثاء تحمل منقع البرم