«الجزيرة» - وائل العتيبي:
في ظل التحولات المتسارعة التي تشهدها المملكة نحو بناء مؤسسات أكثر كفاءة ومرونة، لم يعد نجاح بيئات العمل مرهونًا بالأنظمة والإجراءات وحدها، بل أصبح مرتبطًا بقدرتها على ترسيخ ثقافة مؤسسية تصنعها القيم قبل اللوائح، ويقودها السلوك المهني قبل التعليمات. ومن هذا المنطلق، يأتي كتاب «إتيكيت وبروتوكول بيئة العمل.. من السلوك الفردي إلى الثقافة المؤسسية» للمؤلفة هيفاء محمد القصير، ليقدم قراءة معاصرة تعيد تعريف الإتيكيت والبروتوكول باعتبارهما ركيزة من ركائز الإدارة الحديثة، وليسا مجرد قواعد للمظهر أو آداب للمناسبات الرسمية.
ويأتي صدور الكتاب في مرحلة تتقاطع مع مستهدفات رؤية السعودية 2030، التي جعلت من تنمية رأس المال البشري، وتعزيز الحوكمة، والارتقاء بالأداء المؤسسي، وتحسين جودة الحياة الوظيفية، محاور رئيسة في مشروع التحول الوطني. ومن هنا، يطرح الكتاب تصورًا يتناغم مع هذه التحولات، من خلال تأكيده أن الثقافة التنظيمية تبدأ من الإنسان، وأن جودة الأداء المؤسسي تنعكس أولًا في جودة السلوك المهني.
ويقع الكتاب في 294 صفحة من القطع الكبير، ويقدم رؤية تجمع بين التأصيل العلمي والتطبيق العملي، مستندًا إلى خبرة المؤلفة في مجالات الإدارة والإتيكيت والبروتوكول. كما يقدم قراءة واعية لخصوصية بيئات العمل السعودية والخليجية، بما تحمله من أبعاد دينية وثقافية واجتماعية، مع المحافظة على التوازن بين الهوية المحلية والمعايير المهنية العالمية.
وينطلق الكتاب من فكرة محورية مفادها أن الموظف والقيادي لا يمثلان نفسيهما فحسب، بل يمثلان المؤسسة التي ينتميان إليها، ويعكسان صورة المجتمع وقيم الوطن. ومن هذا المنظور، تتحول الممارسات اليومية داخل بيئة العمل إلى عنصر مؤثر في بناء الثقة، وتعزيز السمعة المؤسسية، وصناعة الصورة الذهنية للمؤسسات.
ولا يتوقف الكتاب عند الانطباع الأول أو المظهر المهني، وإنما يتعامل مع بيئة العمل باعتبارها منظومة متكاملة تبدأ بالحضور الشخصي وفنون التعريف بالنفس والآخرين، وتمتد إلى بناء الثقافة التنظيمية، وإدارة الضغوط والخلافات المهنية، وتنظيم الاجتماعات الحضورية والافتراضية، وإتيكيت المكاتب الخاصة والمشتركة وبيئات العمل المفتوحة، وصولًا إلى الإتيكيت الرقمي، وقواعد التواصل عبر البريد الإلكتروني، والمراسلات الفورية، والمجموعات المهنية. وتبرز القيمة الفكرية للكتاب في إعادة صياغة مفهوم الإتيكيت والبروتوكول؛ إذ يرفض اختزالهما في الشكليات أو المراسم، ويقدمهما بوصفهما لغة احترافية تعكس احترام الإنسان لذاته، ولمؤسسته، وللآخرين، كما يذهب إلى أن هذه القيم لا تترسخ إلا عندما تتحول إلى سياسات مؤسسية، وبرامج تدريبية، وممارسات يومية تتبناها القيادات قبل الموظفين.
ويتوزع الكتاب على تسعة أجزاء تتناول مختلف جوانب الحياة المهنية، بدءًا من التأصيل العلمي لمفاهيم الإتيكيت والبروتوكول ودورهما في بناء الثقافة التنظيمية، مرورًا بقواعد الانطباع الأول، والمظهر المهني، والحضور الشخصي، وفنون التعريف بالنفس والزملاء، وآليات التعامل مع ضغوط العمل والخلافات المهنية، وبروتوكولات الاجتماعات الحضورية والمرئية، وإتيكيت المكاتب الخاصة والمشتركة والمفتوحة، والإتيكيت الرقمي، وأصول التواصل المهني، والحضور البروتوكولي للقيادات، وانتهاءً بتحويل قيم الإتيكيت إلى سياسات مؤسسية وبرامج تدريبية، واستعراض أبرز الأخطاء الشائعة في بيئة العمل من خلال دراسات حالة وسيناريوهات تطبيقية مستمدة من الواقع المهني.