الرياض - خاص بـ«الجزيرة»:
يشكل الاستخدام المفرط للهواتف والشاشات تهديداً حقيقياً للأطفال في سلوكياتهم، وصحتهم، ومن ذلك نموهم، حيث يؤدي إلى اضطرابات النوم، وتشتت الانتباه، وتراجع المهارات اللغوية والاجتماعية.
«الجزيرة» رصدت رؤى عدد من المختصين والمهتمين في هذا الشأن لمعرفة المخاطر جراء كثرة الاستخدام، والسبل الكفيلة للحد منها، والعلاج الطبيعي لتلك المشكلة التي يعاني منها الآباء والأمهات.
خلل نفسي
يقول الدكتور صالح بن سعد اللحيدان المستشار القضائي الخاص والمستشار العلمي للجمعية العالمية للصحة النفسية لدول الخليج والشرق الأوسط: تُشكل القفزات المتلاحقة من خلال الشبكة الذكية على الأطفال من سن السادسة والسابعة وإلى الخامسة عشرة وأحياناً الثامنة عشرة خللاً فكرياً بما تحتويه من تلاعب في فكر الطفل من تشويش ومبالغات وخيالات جالبة، كما أن هذه الشبكة بأنواعها تُسبب خللاً نفسياً في اللا شعور من خلال التهويل والتصورات وهذا وذاك يشكلان اهتزازاً عقلياً عند الكبر والمراهقة المتأخرة، فيحصل عند كثير منهم قلة الهمة، وضعف التلقي، وضعف الأمل رداءة طلب المعالي، مؤكداً أنه لمس هذا من خلال بعض من ناقشهم ممن يشتكون من: الاكتئاب المكتسب، والكآبة المتقطعة، وثنائي القطب، والضلالات الذهنية، وقد تم علاج البعض، وانصح الأسرة بملاحظة هذا مع الأطفال بقوة وحكمة وإيجاد البديل الجيد كالقصص الواقعية التي تناسبهم.
تشتيت الانتباه
ويحذر الدكتور خالد النمر استشاري أمراض القلب وقسطرة الشرايين بالرياض من الإفراط في استخدام الأطفال للأجهزة الذكية في سن مبكرة، داعياً الأمهات إلى عدم السماح للأطفال بعمر خمس سنوات بقضاء أكثر من ساعة يومياً أمام الهواتف المحمولة أو الأجهزة اللوحية.
وأوضح الدكتور خالد النمر أن الأدلة العلمية تشير إلى وجود ارتباط بين الاستخدام المفرط للأجهزة الذكية في هذه المرحلة العمرية وعدد من التأثيرات الصحية والسلوكية، في مقدمتها اضطرابات النوم الناتجة عن نقص إفراز هرمون الميلاتونين المسؤول عن تنظيم النوم، مشيراً إلى أن من بين الآثار المرتبطة أيضاً ظهور نوبات غضب لدى الأطفال عند سحب الأجهزة منهم، إضافة إلى الإجهاد البصري وارتفاع خطر الإصابة بقصر النظر نتيجة التحديق الطويل في الشاشات.
وأضاف أن الإفراط في استخدام الأجهزة الإلكترونية قد يسهم في تشتت الانتباه وضعف التركيز، ويؤثر سلباً في تنمية المهارات الاجتماعية لدى الأطفال، فضلاً عن زيادة معدلات الخمول البدني وما يترتب عليه من مخاطر السمنة وزيادة الوزن.
وأكد د. خالد النمر استشاري أمراض القلب بالرياض أهمية تنظيم وقت استخدام الشاشات لدى الأطفال، وتشجيعهم على الأنشطة الحركية والتفاعل الاجتماعي المباشر، بما يسهم في دعم نموهم الجسدي والنفسي بشكل صحي ومتوازن.
التأثير على العيون
وتؤكد الدكتورة إسراء أحمد رمضان أخصائي أول في طب وجراحة العيون وعيون الأطفال بالرياض أن الأجهزة الإلكترونية أصبحت جزءًا أساسيًا من حياة الأطفال في العصر الحديث، حيث يقضي الكثير منهم ساعات طويلة يوميًا أمام الهواتف الذكية والأجهزة اللوحية وأجهزة الحاسوب والتلفاز، وعلى الرغم من الفوائد التعليمية والترفيهية لهذه الأجهزة، فإن الاستخدام المفرط للشاشات قد يكون له تأثيرات سلبية متعددة على صحة العين والنمو البصري لدى الأطفال، ومنها: إجهاد العين الرقمي الذي يُعد من أكثر المشكلات شيوعًا المرتبطة بالاستخدام المطول للشاشات، وتشمل أعراضه: الشعور بإجهاد أو تعب العين، والصداع، وتشوش الرؤية المؤقت، وصعوبة التركيز، والشعور بحرقة أو وخز في العين.
وتحدث هذه الأعراض نتيجة التركيز المستمر على الشاشة لفترات طويلة دون فترات راحة كافية، وكذلك مشكلة جفاف العين حيث ينخفض معدل الرمش بشكل ملحوظ أثناء استخدام الشاشات الإلكترونية، مما يؤدي إلى زيادة تبخر الدموع وظهور أعراض جفاف العين مثل: الحرقان، والإحساس بجسم غريب داخل العين، والاحمرار.
وقد أصبحت هذه المشكلة أكثر شيوعًا بين الأطفال مع زيادة الاعتماد على الأجهزة الإلكترونية.
دراسات علمية
وأشارت الدكتورة إسراء رمضان أخصائية طب وجراحة العيون بالرياض إلى أن العديد من الدراسات الحديثة إلى وجود علاقة بين زيادة الوقت الذي يقضيه الأطفال أمام الشاشات وقلة الأنشطة الخارجية من جهة، وارتفاع معدلات قصر النظر من جهة أخرى، ويُعتقد أن قلة التعرض للضوء الطبيعي والتركيز المستمر على المسافات القريبة قد يساهمان في تطور قصر النظر وتسارع تقدمه.
ويؤدي الضوء الأزرق المنبعث من الشاشات إلى تثبيط إفراز هرمون الميلاتونين المسؤول عن تنظيم النوم، مما قد يسبب: تأخر وقت النوم، وانخفاض جودة النوم، الشعور بالإرهاق خلال النهار، كما يُعد الأطفال أكثر حساسية لهذه التأثيرات مقارنة بالبالغين.
حالات من الحول
وأوضحت الدكتورة إسراء رمضان اختصاصية عيون الأطفال بالرياض أنه خلال السنوات الأخيرة ظهرت تقارير علمية تصف حالات من الحول الإنسي المكتسب الحاد (Acute Acquired Comitant Esotropia) لدى الأطفال والمراهقين الذين يقضون فترات طويلة يوميًا في استخدام الهواتف الذكية على مسافات قريبة جدًا. ويُعتقد أن التحفيز المستمر للتقارب قد يسهم في ظهور الانحراف لدى بعض الأطفال المعرضين لذلك، رغم أن هذه الحالات ما تزال غير شائعة وتحتاج إلى مزيد من الدراسات لتوضيح العلاقة السببية بشكل كامل، كما قد يؤدي الاستخدام المكثف للأجهزة الذكية على مسافات قريبة جدًا إلى زيادة أعراض بعض اضطرابات التوافق البصري، مثل: قصور التقارب (Convergence Insufficiency)، خصوصا مع حالات طول النظر، وازدواج الرؤية المؤقت، وإجهاد العضلات العينية. كما قد يلاحظ الأهل ظهور انحراف متقطع للعينين لدى بعض الأطفال أثناء فترات الاستخدام الطويلة.
الرمش المتكرر أو ارتعاش الجفن (Myokymia) يُعد من الأعراض الشائعة لإجهاد العين الرقمي الناتج عن استخدام الشاشات. فالتحديق لفترات طويلة في الشاشات قد يؤدي إلى حدوث تقلصات لا إرادية في عضلات الجفن بسبب انخفاض معدل الرمش بشكل ملحوظ، مما يسبب جفاف سطح العين، بالإضافة إلى إجهاد العضلات البصرية نتيجة المحافظة على التركيز المستمر على مسافة قريبة وثابتة لفترات طويلة.
التوصيات الوقائية
وللتقليل من التأثيرات السلبية للشاشات على عيون الأطفال تنصح د. إسراء رمضان أخصائية عيون الأطفال بالرياض بما يلي:
- تطبيق قاعدة 20-20-20: كل 20 دقيقة ينظر الطفل إلى جسم يبعد 20 قدمًا لمدة 20 ثانية.
- تشجيع الأنشطة الخارجية لمدة لا تقل عن ساعتين يوميًا.
- المحافظة على مسافة مناسبة بين العين والشاشة.
- توفير إضاءة جيدة أثناء استخدام الأجهزة.
- تجنب استخدام الشاشات قبل النوم بساعة إلى ساعتين.
- إجراء فحوصات دورية للعين خاصة للأطفال المعرضين لخطر قصر النظر.
أصبحت الشاشات الإلكترونية جزءًا لا يمكن الاستغناء عنه في حياة الأطفال، إلا أن الاستخدام المفرط لها قد يؤثر سلبًا على صحة العين والنمو البصري، كما ينصح بفحص العين الدوري عند سن دخول المدرسة أو الفحص ما قبل عمر المدرسة إذا لوحظ أي علامات غير طبيعية على الأطفال، فالكثير من مشكلات الإبصار قد لا يلاحظها الطفل أو الأهل في مراحلها المبكرة، لذلك يُعد الفحص الروتيني عند سن المدرسة خطوة أساسية لضمان رؤية سليمة تدعم التعلم والتطور الطبيعي للطفل.