السموأل محمد إبراهيم
ثمة أعمال لا تحدث ضجيجا، لكنها تصنع التاريخ. ففي الوقت الذي تتسابق فيه المؤسسات لبناء المستقبل، هناك من يعمل بصمت ليحفظ الماضي من الغياب، ويصون ذاكرة الوطن من أن تذروها عوامل الزمن. فليست الحضارة فيما نبنيه من عمران فحسب، بل فيما نحفظه من أثر، وما نصونه من وثيقة، وما نورثه للأجيال من ذاكرة صادقة.
ومن هذا المنطلق، تواصل مكتبة الملك عبدالعزيز العامة أداء رسالتها الحضارية بوصفها إحدى أهم المؤسسات الثقافية والمعرفية في المملكة العربية السعودية، حيث لم تعد مجرد مكتبة تضم الكتب والمراجع، بل أصبحت مشروعا وطنيا متكاملا لحماية الذاكرة السعودية والعربية والإسلامية، وصون الإرث الإنساني من عوامل الزمن والتلف والاندثار. ولعل الإنجاز الأخير الذي حققه مركز الترميم والمعالجة بالمكتبة، والمتمثل في إنجاز ترميم ومعالجة أكثر من (10861) مادة تراثية وتاريخية، ليس مجرد رقم يضاف إلى سجل الإنجازات، وإنما رسالة حضارية عميقة تؤكد أن المملكة لا تكتفي بصناعة المستقبل، بل تحرس الماضي بكل ما أوتيت من علم وخبرة وإمكانات.
لقد شملت أعمال المركز كنوزا لا تقدر بثمن؛ من المخطوطات النادرة، والوثائق التاريخية، والخرائط القديمة، والصحف والدوريات، والكتب النادرة، والصور التاريخية التي توثق مراحل مهمة من تاريخ المملكة، والحرمين الشريفين، ومدينة الطائف، والخيل العربية، وغيرها من الشواهد التي تحفظ تفاصيل المكان والإنسان. ولعل أكثر ما يلفت الانتباه أن عملية الترميم هنا ليست مجرد إصلاح لورقة أصابها الزمن، وإنما هي علم دقيق، وفلسفة متكاملة، تبدأ بالتعقيم، وتمر بالمعالجة الكيميائية والميكانيكية، وتنتهي بالصيانة الوقائية، وفق أحدث المعايير العالمية التي تضمن الحفاظ على أصالة المادة التاريخية دون المساس بهويتها.
إن الحفاظ على عدد خاص من صحيفة، أو مجلة صدرت قبل أكثر من سبعين عاماً، أو صحيفة وثقت رحيل الملك فيصل -رحمه الله-، أو خريطة نادرة للجزيرة العربية تعود إلى القرن الثامن عشر؛ ليس عملا فنيا فحسب، بل هو حماية لذاكرة وطن بأكمله، لأن الوثيقة حين تضيع، يضيع معها جزء من الحقيقة، وحين تحفظ، يبقى التاريخ شاهدا لا يخون.
ولا يمكن الحديث عن هذا النجاح دون الإشادة بالرؤية الاستراتيجية التي تقود مكتبة الملك عبدالعزيز العامة، بوصفها مؤسسة وطنية رائدة في حفظ المعرفة وصناعة الثقافة، بمتابعة وإشراف معالي الأستاذ فيصل بن عبدالرحمن بن معمر، المشرف العام على المكتبة، الذي أسهم بفكره وخبرته في تحويل المكتبة إلى مركز إشعاع معرفي وثقافي تجاوز الحدود المحلية إلى آفاق عالمية، إلى جانب الجهود التنفيذية المتميزة التي يقودها المدير العام الدكتور بندر بن عبدالله المبارك، الذي يواصل تطوير منظومة العمل المؤسسي، وتعزيز جودة الأداء، ودعم المبادرات النوعية التي تجعل المكتبة في طليعة المؤسسات الثقافية.
أما على المستوى الفني، فإن ما يحققه مركز الترميم والمعالجة يعكس كفاءة وطنية تستحق التقدير، تتقدمها الأستاذة شذا العجمي، مديرة المركز، وهي إحدى أبرز الخبيرات السعوديات في مجال ترميم الوثائق والمخطوطات والقطع الأثرية، ومدربة معتمدة في هذا التخصص الدقيق. وقد أسهمت بخبرتها العلمية والعملية في بناء بيئة احترافية متقدمة، جعلت المركز قادرا على التعامل مع أندر المقتنيات وأكثرها حساسية، وفق أعلى المعايير المهنية، حتى غدا أحد أهم مراكز الترميم المتخصصة في المنطقة. لقد استطاعت، مع فريقها، أن تجعل من المركز مدرسة مهنية متقدمة، لا يقتصر دورها على ترميم المقتنيات، بل يمتد إلى بناء القدرات الوطنية، من خلال تنظيم الدورات المتخصصة، وورش العمل، ونقل الخبرات، وتقديم الخدمات الفنية للأفراد والجهات الحكومية والخاصة، وهو ما يعكس تحول المركز من وحدة فنية إلى بيت خبرة وطني في صون التراث الثقافي.
إن ما يجري داخل معامل مركز الترميم والمعالجة لا تصاحبه ضوضاء، ولا تتصدر أخباره العناوين اليومية، لكنه في الحقيقة يمثل أحد أعظم أشكال العمل الوطني الهادئ؛ فهناك تنقذ ذاكرة، وتبعث وثيقة، وتستعيد صورة تاريخية أنفاسها، وتعود خريطة قديمة لتروي للأجيال حكاية المكان. إنها معركة صامتة ضد النسيان، ينتصر فيها العلم على التلف، وتنتصر فيها المعرفة على الزمن.
ولعل هذا الإنجاز يفتح الباب أمام وسائل الإعلام الوطنية لتسليط الضوء بصورة أكبر على هذه الجهود النوعية، لأن ما تقوم به مكتبة الملك عبدالعزيز العامة، ومركز الترميم والمعالجة على وجه الخصوص، ليس إنجازا مؤسسيا فحسب، بل مشروع وطني واستثمار حضاري طويل المدى، يحفظ هوية الوطن، ويصون ذاكرته، ويؤكد أن المملكة العربية السعودية، وهي تمضي بثقة نحو المستقبل في ظل رؤية المملكة 2030، لا تنسى أن الأمم العظيمة هي تلك التي تحفظ ماضيها كما تبني مستقبلها.
ولعل أجمل ما يمكن أن يقال في ختام هذا المشهد. إذا كانت بعض المؤسسات تحفظ الكتب، فإن مكتبة الملك عبدالعزيز العامة تحفظ الزمن نفسه؛ تعيد للحروف نبضها، وللوثائق حياتها، وللصور ذاكرتها، وللوطن صفحات كان يمكن أن يطويها النسيان. وهنا تكمن القيمة الحقيقية لهذا الصرح الثقافي الكبير، الذي لا يرمم الورق فحسب، بل يرمم الذاكرة الوطنية، ويحفظها لتبقى شاهدا حيا على تاريخ المملكة، ومنارة للأجيال القادمة، ودليلا على أن الحضارة تبنى بالعلم، وتصان بالوعي، وتخلد بحفظ تراثها.