«الجزيرة» - وائل العتيبي:
لم تعد المشاركة السعودية في المهرجانات السينمائية العربية تُقاس بعدد الأفلام أو حجم المنافسة، بقدر ما أصبحت تعكس ملامح مشروع سينمائي يتشكل بثقة، ويبحث عن مكانه في المشهد الثقافي العربي. ومن هذا المنطلق، جاء الحضور السعودي في الدورة السابعة من مهرجان عمّان السينمائي الدولي – أول فيلم، التي أُقيمت خلال الفترة من 26 يوليو إلى 3 أغسطس 2026 تحت شعار «ما وراء الإطار»، ليؤكد اتساع آفاق التجربة السعودية وقدرتها على تقديم رؤى تتجاوز الشاشة إلى أسئلة التاريخ والهوية.
وشهدت الدورة مشاركة 82 فيلمًا من 27 دولة، إلى جانب برنامج «أيام عمّان لصنّاع الأفلام» الذي يواصل دوره في دعم المشاريع السينمائية الأولى، وتهيئة منصات للتطوير والإنتاج والتشبيك بين السينمائيين، فيما احتفت الدورة بالسينما التونسية، في تأكيد على البعد الثقافي الذي يميز المهرجان.
وحضرت السينما السعودية على هامش المهرجان من خلال عرض فيلمين، قدّم كل منهما مقاربة مختلفة للتجربة الوطنية؛ الوثائقي الطويل «ضدّ السينما» للمخرج علي سعيد، والفيلم القصير «الرجل الذي تعثّر بكلماته» للمخرج مبارك الزوبع، وإنتاج بتول العرفة.
ويكتسب فيلم «ضدّ السينما» أهميته من كونه يتجاوز التوثيق التقليدي إلى مساءلة العلاقة التاريخية بين المجتمع السعودي والسينما. فمن خلال أرشيف صحفي نادر وشهادات لعدد من رواد الحركة السينمائية، يستعيد البدايات الأولى للعروض السينمائية في المملكة منذ عام 1918، قبل أن يتتبع التحولات التي قادت إلى النهضة التي يشهدها القطاع اليوم.
ولا يكتفي الفيلم بسرد الوقائع، بل يقدم قراءة ثقافية لذاكرة السينما السعودية، مستعيدًا تجربة جيل الثمانينيات الذي تشكل وعيه السينمائي في زمن غابت فيه دور العرض. ويشارك فيه عدد من الشخصيات المؤثرة في المشهد السينمائي السعودي، من بينهم رئيس هيئة الأفلام عبدالله العياف، والمخرج محمد الظاهري، والناقد فهد الأسطى، وممدوح سالم، في محاولة لتوثيق مرحلة مفصلية من تاريخ السينما في المملكة. وقد سبق للفيلم أن حصد جائزة صلاح أبو سيف (جائزة لجنة التحكيم الخاصة) في الدورة السادسة والأربعين من مهرجان القاهرة السينمائي الدولي عام 2025.
أما الفيلم القصير «الرجل الذي تعثّر بكلماته»، فيقدم معالجة درامية مختلفة، من خلال قصة روائي يفقد قدرته على الكتابة، لتتحول رحلته في البحث عن العلاج إلى مواجهة مع الذاكرة والهوية وأسئلة الذات، في عمل يعكس اهتمام جيل جديد من المخرجين السعوديين بالسينما الإنسانية، وبالسرد البصري القائم على التأمل في النفس والوجود.
وتعكس المشاركة، وإن اقتصرت على عملين، تنوع الخطاب السينمائي السعودي؛ فمن جهة، يستعيد «ضدّ السينما» الذاكرة الثقافية للسينما الوطنية ويؤرخ لتحولاتها، ومن جهة أخرى، يذهب «الرجل الذي تعثّر بكلماته» إلى الداخل الإنساني، مستكشفًا أسئلة الإبداع والهوية. وهي ثنائية تكشف عن اتساع التجربة السعودية ونضجها الفني.
وترى الإعلامية والناقدة السينمائية سهى الوعل، التي حضرت فعاليات المهرجان، أن المشاركة السعودية كان يمكن أن تكون أكثر اتساعًا، لا سيما أن مهرجان عمّان يقوم على فكرة دعم الأفلام الأولى، وهي الفئة التي تزخر بها الساحة السعودية في ظل الحراك السينمائي المتسارع وما يشهده من بروز مواهب جديدة في الإخراج والكتابة والإنتاج. وتؤكد أن المهرجان يمثل منصة مثالية للتعريف بهذه الأصوات، وكان يستحق حضورًا سعوديًا أوسع.
وفي الوقت ذاته، تؤكد الوعل أن عرض الفيلمين السعوديين يحمل دلالة مهمة، إذ يعكس تنامي الثقة بالأعمال السعودية، في ظل الاهتمام العربي والدولي المتزايد بالتجربة السينمائية في المملكة.
وفي مهرجان يرفع شعار «ما وراء الإطار»، بدا الحضور السعودي منسجمًا مع فلسفة الدورة؛ إذ لم يقتصر على تقديم أفلام، بل حمل معه قراءات في الذاكرة، والهوية، والتحولات الاجتماعية، مؤكدًا أن السينما السعودية لم تعد مجرد تجربة صاعدة، بل أصبحت صوتًا ثقافيًا عربيًا يمتلك رؤيته، ويسهم في إثراء الحوار السينمائي في المنطقة.