عبدالوهاب الفايز
«بينما تمضي المملكة العربية السعودية في مشروعها الوطني منذ تولي خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز قيادة الدولة، تتكثف محاولات جرّها إلى ساحات الصراع. فالتاريخ السياسي يبين أن القوى الصاعدة كثيرًا ما تُستنزف بإشغالها بالحروب، لأن تحويل الموارد من التنمية إلى الأمن هو أحد أكثر أساليب إبطاء صعود الدول فاعلية.
غير أن القيادة السعودية تبدو واعية بهذه المعادلة، وحارسة لمشروعها الوطني، ومدركة أن قوى الخراب الإقليمي لا يزعجها شيء بقدر ما يزعجها نجاح مشروعٍ للعمران وبناء الدولة؛ لذلك تحاول شدّ المملكة بعيدًا عن أولويات التنمية إلى مستنقعات الصراع. والتحدي الحقيقي هو أن يبقى مشروع العمران أقوى من إغراءات الحروب». (تغريدة للدكتور مامون فندي- 29 يوليو)
***
فعلا، صدق الدكتور مامون فندي في هذه الإشارة التي نستذكرها دوما في تقلبات الأوضاع في منطقة، تعودت مع الأسف، على استمرار الأزمات والنكبات. فالأوضاع القائمة اليوم في محيطنا الإقليمي، بما تحمله من توتر متجدد وحسابات معقدة، تستدعي من الذاكرة لحظة لم تمض عليها سنوات طويلة؛ إنها لحظة إطلاق (عاصفة الحزم) في مارس 2015 لمواجه مشروع الخميني الطائفي في اليمن. ومعه مشروعات موازية لجماعات الإسلام السياسي، ولا ننسى المشروع الليبرالي المتطرف الذي يسعى إلى المسخ الثقافي والحضاري والتماهي التام مع الحياة المدنية الغربية. وهذه طبعا تلتقي في الأهداف والغايات التخريبية مع المشروع الأكبر: مشروع الاحتلال الصهيوني لفلسطين. وهذه جميعا كانت تراهن على استثمار ما يمكن تسميته بــ (الربيع/الخراب العربي) لاختراق الإجماع الوطني وتفكيك مسار الوحدة الداخلية الوطنية للدول العربية.
الذي نستذكره جيدا أن عاصفة الحزم، لم تكن لحظة انكفاء أو انشغال كامل بالمواجهة العسكرية، بل كانت أيضا لحظة تأسيس لمشروع تنمية مستدامة ممتد لخمسة عشر عاما، حيث أُطلقت (رؤية المملكة 2030)؛ حينئذ طبيعي أن تبرز التساؤلات عن جدوى شروع بلادنا في المضي بتحول استراتيجي شامل بينما المنطقة مضطربة من حولنا.
ولعل هذا التزامن، بين الحسم في الخارج والبناء والنماء في الداخل لم يكن مصادفة عابرة، بل هو منطق واحد يحكم سلوك الدولة السعودية منذ الوحدة، فمناعة الدولة لا تقاس بقدرتها على صد الخطر الخارجي وحده، بل بقدر ما تملكه من مقومات داخلية راسخة تجعل محاولات الاختراق تصطدم بجبهة متماسكة.
وهنا يحضرنا مفهوم (العصبية) الذي طرحه شيخ المؤرخين في الاجتماع السياسي ابن خلدون قبل قرون، ليس بمعناه القبلي الضيق، بل بمعناه الأعمق المتعلق بالتماسك الاجتماعي الذي يمنح الدولة قدرتها على الاستمرار في مواجهة عوامل التفكك. في رؤية ابن خلدون، الدول التي تصمد أمام الأزمات الممتدة هي غالبا تلك التي (تواصل بناء) مؤسساتها وأيضا تخوض معاركها، لا تلك التي تؤجل الإصلاح وانتظار الهدوء الذي قد يكون بعيدا.
وحين نتابع اليوم ما يصدر عن مجلس الوزراء السعودي من قرارات ومبادرات في اجتماعه الأسبوعي الثابت، نجد أن هذا المنطق ذاته لا يزال يحكم المسار، فإعادة هيكلة (منظومة الطاقة والصناعة) عبر توحيد قيادتهما تحت مظلة واحدة لم تكن إجراء إداريا معزولا بقدر ما كان استكمالا لفكرة الدولة التي تطور وتحسن هندسة أدواتها الإنتاجية حتى يواصل الاقتصاد أنتاج ممكناته ونموه الذاتي.
وكذلك الحال في إعادة تشكيل (منظومة التعليم) عبر مجلس موحد للشؤون التعليمية، وهو تحول لا يقل أهمية عن التحول الصناعي، فمنظومة الصناعة والطاقة ومنظومة التعليم يشكلان مرتكز أساسي لقوة الدولة وحيوية شعبها. وتناسق المنظومتين ضروري لمستقبل بلادنا، وتؤكد أن الإصلاح المؤسسي المتزامن بين قطاعي الإنتاج والمعرفة هو الشرط الأول لأي نهضة قابلة للاستمرار.
في الممارسات الناجحة الحديثة نجد أن التجربة الصينية تفوقت اقتصاديا وصناعيا لأنها ربطت التخطيط الصناعي والاقتصادي بمخرجات التعليم.
والمتأمل في هذه المسارات المتوازية، من إعادة هيكلة القطاعات الحيوية إلى الاستمرار في ضخ المشاريع الكبرى رغم الظروف الصعبة المحيطة بالمنطقة، يدرك أن ما نشهده ليس مجرد استمرار روتيني لخطة موضوعة مسبقا، بل هو تأكيد متجدد على أن (بناء الجبهة الداخلية) ليس شعارا يُستحضر عند اشتداد الأزمات فقط، بل هو عملية تراكمية تُبنى بالإصلاح التنظيمي والتشريعي والإداري المستمر، وبالمشاريع الحيوية التي تمنح المواطن (حصة ملموسة) في مستقبل بلاده. وهنا يكمن الفارق الجوهري بين دول تراهن على الشعارات والوعود.. وأخرى تواصل نشر الإعمار والبناء، فالأولى تتصدع عند أول اهتزاز خارجي، والثانية تزداد تماسكا كلما اشتدت الضغوط من حولها. وهكذا حال بلادنا، في الأزمات تولد الفرص ويرتفع الإحساس بأهمية الإجماع الوطني.
ومما نتذكره من تلك الحقبة المضطربة هو نشوة المنشقين عن الإجماع الوطني (ممن يسمون أنفسهم معارضين، أومناصرين للحقوق المدنية!). من خيبة هؤلاء أنهم راهنوا في تلك الحقبة على أن انشغال المملكة بمواجهتها الخارجية سوف يفتح الباب أمامهم لاختراق نسيجها الداخلي! لقد خابوا، وسوف يخيب ضن كل من يراهن اليوم على أن الظروف الإقليمية الساخنة قد تُبطئ مسيرة الإصلاح أو تُجمّد المشاريع الحيوية. نحن في قلب أزمة إقليمية متجددة، ومشاريعنا ومبادراتنا مستمرة، وهذه هي الرسالة الأبلغ التي ترد على من يأمل بإنكسار المشروع الوطني المستمر للبناء.
إنها رسالة مفادها أن الدول التي تعمل على بناء جبهتها الداخلية لا تحتاج التوقف عن البناء كي تثبت صمودها، بل يكفيها أن تواصل المسير. فأفضل وسيلة للدفاع هي الهجوم. فهل تحتاج الدول، في لحظات اختبارها الكبرى، إلى دليل أبلغ من استمرارها في البناء والصمود في وجه الاحداث الكبرى؟!