شقراء - علي الخليفة:
لم تعد المهرجانات الزراعية في العالم مجرد مناسبات موسمية لعرض المنتجات المحلية، بل أصبحت أدوات اقتصادية تصنع العلامات التجارية، وتجذب الاستثمارات، وتدعم السياحة، وتمنح المدن هويةً يعرفها العالم. ومن هذا المنطلق، فإن مهرجان فلفل شقراء، مع وصول أعداد زواره إلى 33 ألف زائر في بعض الأيام، يمتلك فرصة استثنائية ليصبح أكثر من مهرجان زراعي، بل منصة اقتصادية وثقافية عالمية تنقل اسم شقراء إلى الأسواق الدولية.
فالقيمة الحقيقية لأي منتج زراعي لا تكون في بيعه كمحصول خام فقط، وإنما في بناء اقتصاد متكامل، حتى يصبح اسم المنتج مرادفًا لاسم المدينة التي نشأ فيها.
والجدير بالذكر هو وجود نماذج ملهمة في هذا المجال، فمدينة دارجيلنغ الهندية ارتبط اسمها عالميًا بالشاي الفاخر، وكذلك اشتهر الشاي السيلاني في سريلانكا، وفاكهة الكيوي في نيوزيلندا، وفي اليونان أيضًا ارتبط اسم مدينه كالاماتا بأجود أنواع الزيتون، وأصبحت تلك المنتجات تُصدر إلى مختلف دول العالم، حتى عُرفت كعلامات تجارية صنعت شهرة مناطقها وأسهمت في دعم اقتصاداتها المحلية.
أما في قطاع الفلفل الحار، فقد نجحت دول مثل المكسيك وكوريا والهند وإندونيسيا وغيرها في تحويل الفلفل والبهارات إلى صناعة غذائية متكاملة، تضم الزراعة والابتكار والتصنيع والتسويق والتصدير، بل وأصبحت جزءًا من هويتها الثقافية ومطبخها الوطني، وهو ما انعكس على حضورها في الأسواق العالمية.
ومن خلال مشاهدات فعاليات مهرجان شقراء، فإن الخطوة التالية في تطوير مهرجان فلفل شقراء تتمثل في لعب دور أكبر من قبل إمارة المنطقة، ومجلس الغرف التجارية، وهيئة فنون الطهي، و رجال الأعمال، لتوسيع نطاقه ليصبح ملتقى أشمل لصناعة الفلفل الحار ومشتقاته، وذلك من خلال عقد الشراكات مع الأسر المنتجة وهواة الطبخ لإقامة فعاليات ومسابقات أجمل طبق وأفضل منتج، وأيضًا إقامة أجنحة للدول، ودعوة المستثمرين والشركات العالمية المتخصصة في إنتاج الشطة والصلصات والبهارات للمشاركة في المعارض، وإطلاق المنتجات الجديدة، ودعوة المزارعين والمصنعين المحليين، ونقل الخبرات والتقنيات الحديثة من خلال عقد لقاءات أعمال تجمع المستثمرين بالمزارعين و رواد الأعمال، بما يحول المهرجان إلى منصة تجارية تخدم الصناعة الغذائية في المملكة. لذلك، لا بد أن يواكب ذلك مكان أوسع، وخدمات وإمكانيات أفضل، وفترة أطول لاستيعاب تلك الفعاليات.
وهو بتلك الخطوة، سيحقق أثرًا اقتصاديًا يفوق المتوقع، بل سيمتد إلى الجانب الثقافي والسياحي، وسيصبح جزءًا من الهوية المحلية للمنطقة، يُقدم للزوار من خلال المنتجات المبتكرة، والمأكولات الشعبية، والمنتجات الحرفية، والفعاليات الثقافية والتراثية، والتجارب الزراعية، مما يمنح الزائر تجربة متكاملة تجمع بين الثقافة والطعام والتراث.
وعندما يرتبط اسم شقراء بمنتج مميز يحمل جودة عالية، فإن المهرجان لن يكون مجرد فعالية سنوية لمنتج زراعي، بل سيصبح سببًا لزيارة المنطقة طوال العام و ليس فقط لعدة أيام. فشقراء، مقارنةً بوجهات تراثية أخرى، لا تقدم معلما تاريخيا واحدا فحسب، بل تقدم مدينة تراثية متكاملة؛ يستطيع الزائر أن يتجول في أحيائها، ويزور أسواقها، وبيوتها، ومساجدها، ومزارعها، ويعيش تجربة تعكس أسلوب الحياة التقليدي في قلب نجد، وهذا يجعلها وجهة مناسبة للراغبين في التعرف على الهوية النجدية الأصيلة، وسيسهم ذلك في تنشيط الفنادق، والشقق المفروشة، والمطاعم، والمحلات، والمزارع، ويخلق فرصًا جديدة للمشروعات الصغيرة والأسر المنتجة، ويرفع القيمة الاقتصادية للمنتج المحلي عبر بناء علامة تجارية عالمية تستقطب الشركات الدولية، وتفتح أسواقًا جديدة للمنتج السعودي، وتربط الزراعة بالصناعة، والثقافة بالسياحة، وعندها لن يكون فلفل شقراء مجرد محصول تشتهر به المنطقة بل شعارًا سعوديًا ينافس أشهر المنتجات الزراعية العالمية، ويضع اسم شقراء على خارطة السياحة الغذائية في العالم.