في كل عام، ومع إعلان نتائج الثانوية العامة، تبدأ رحلة جديدة لآلاف الشباب والفتيات. تتزاحم الجامعات في عرض برامجها، وتزدحم المنصات الإلكترونية بالإعلانات، وتنتشر عبارات مثل: تخصصات المستقبل، وبرامج نوعية، وفرص واعدة.
لكن وسط هذا الزخم، تغيب أحيانًا أهم معلومة يحتاجها الطالب قبل أن يقرر مستقبله.
هل هذا البرنامج سيمنحني بعد التخرج الاعتراف المهني الذي أحتاجه؟
هذا السؤال قد يختصر على الطالب سنوات من الندم.
كثير من المهن اليوم لا يكفي فيها الحصول على شهادة جامعية، بل تتطلب تسجيلًا أو تصنيفًا لدى هيئة مهنية مختصة. فالمهندس يحتاج إلى التسجيل في الهيئة السعودية للمهندسين، والممارس الصحي لدى الهيئة السعودية للتخصصات الصحية، والمحاسب لدى الجهة المهنية المختصة، والمحامي يخضع للمتطلبات النظامية للممارسة، ولكل مهنة ضوابطها التي لا تمنحها الجامعة وحدها.
وهنا تبدأ المسؤولية المشتركة.
فالجامعة مسؤولة عن تقديم المعلومة كاملة، لا المعلومة الجاذبة فقط. ومن حق الطالب أن يعرف قبل التسجيل ما إذا كان البرنامج مستوفيًا لمتطلبات الاعتراف المهني، وما إذا كان معتمدًا بالاعتماد الذي تتطلبه الجهة المنظمة للمهنة، وما هي الآثار المترتبة على ذلك بعد التخرج. وفي المقابل، لم يعد مقبولًا أن يكتفي الطالب بقراءة اسم التخصص أو الانبهار بعنوانه. فالاسم قد يكون جذابًا، لكن المستقبل المهني يبنى على الحقائق، لا على الانطباعات.
إن قرار اختيار التخصص ليس قرارًا دراسيًا فحسب، بل قرار مهني يمتد أثره لعقود. ولذلك فإن من الحكمة أن يسأل الطالب الجامعة قبل التسجيل:
هل البرنامج معتمد؟
وهل الاعتماد مؤسسي أم برامجي؟
وهل يتيح لخريجه التسجيل أو التصنيف لدى الهيئة المهنية المختصة؟
وهل توجد دفعات سابقة حصلت على هذا التصنيف؟
هذه الأسئلة ليست تشكيكًا في الجامعات، بل حق أصيل لكل طالب يستثمر سنوات عمره في التعليم.
كما أن الجامعات مطالبة بأن تجعل الإجابة عن هذه الأسئلة جزءًا من معلومات القبول، لا أن تترك الطالب يبحث عنها بنفسه، أو يكتشفها بعد التخرج. فالشفافية ليست ميزة تنافسية، بل مسؤولية أخلاقية وتعليمية.
نحن اليوم في موسم القبول الجامعي، ولا يوجد وقت أنسب من هذا الوقت لترسيخ ثقافة جديدة: لا تختر تخصصًا قبل أن تعرف مستقبله المهني.
فالطالب قد يعوض انخفاض درجة، وقد يغير جهة عمل، وقد يواصل دراساته العليا، لكنه لا يستطيع أن يستعيد بسهولة سنوات أمضاها في برنامج لم يكن يعرف جميع آثاره المهنية.
المستقبل لا يصنعه اسم التخصص وحده، بل تصنعه الحقيقة الكاملة.
ولهذا، فإن أجمل خدمة يمكن أن تقدمها الجامعة لطلابها ليست مقعدًا دراسيًا...
بل معلومة صادقة.
وأفضل قرار يمكن أن يتخذه الطالب ليس اختيار التخصص الأكثر شهرة...
بل اختيار التخصص الذي يعرف عنه كل شيء قبل أن يبدأ الرحلة.
** **
- د. خالد بن سرحان المطيري