نواف بن عبد العزيز آل الشيخ
كل شيء حولنا يسير بسرعة، إلا أرواحنا... فهي لا تزال تحتاج إلى وقت.
نستيقظ على عجلة، ونعمل على عجلة، ونرد على الرسائل على عجلة، ونتخذ قراراتنا على عجلة، حتى أصبحنا نعتقد أن السرعة إنجاز، وأن التباطؤ تأخر، وأن من يتوقف قليلًا قد خسر السباق.
لكن الحقيقة أن الحياة لم تُخلق لتُعاش بهذه الوتيرة.
لقد سرقتنا السرعة من أبسط التفاصيل التي كانت تصنع سعادتنا، لم نعد نتأمل الأشياء وتفاصيلها كما كنا، ولا نستمتع بفنجان القهوة دون أن ننظر إلى شاشة الهاتف، ولا نجلس مع من نحب بكامل حضورنا، بل أصبح الجسد حاضرًا، بينما العقل يركض في مكان آخر، والقلب منشغل بما سيأتي أكثر مما يعيش ما هو الآن، وضاع الحاضر في غيابة المستقبل المجهول..
ولعل أكثر ما نفتقده اليوم هو التوازن.
فالتوازن لا يعني أن نتباطأ في الطموح، ولا أن نتوقف عن العمل، ولا أن نهرب من المسؤوليات، وإنما يعني أن نعطي كل شيء حقه، وأن نعرف متى نسرع، ومتى نهدأ، ومتى نعمل، ومتى نستريح، ومتى نصغي لأنفسنا قبل أن نستنزفها.
وقد أرشدنا القرآن إلى هذا المعنى العظيم في قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا}.
فالوسطية ليست في العبادات وحدها، بل هي منهج حياة، واتزان في الفكر، والمشاعر، والعمل، والعلاقات، وحتى في إيقاع الحياة نفسها.
إن كثرة السرعة لا تعني دائمًا كثرة الإنجاز، كما أن كثرة الحركة لا تعني أننا نسير في الاتجاه الصحيح، فقد يقطع الإنسان مسافات طويلة، ثم يكتشف أنه ابتعد عن الأشياء التي كانت تستحق أن يتوقف عندها.
كم من أب انشغل عن أطفاله حتى كبروا، وكم من ابن أجّل زيارة والديه حتى سبقته الأيام، وكم من صديق قال: «لاحقًا»، فإذا باللاحق لا يأتي أبدًا.
إن بعض اللحظات لا تحتاج منا إلا أن نبطئ قليلًا لنراها، فالجمال لا يحب العجلة، والمودة لا تنمو في الضجيج، والطمأنينة لا تسكن قلبًا يركض طوال الوقت. ويقول الشاعر:
على قدرِ سيرِ المرءِ يدركُ قصدَهُ
وليسَ سريعُ السيرِ دائمًا هو الأسبقُ
وربما آن الأوان أن نعيد تعريف النجاح، فليس الناجح هو الأكثر انشغالًا، ولا الأكثر حركة، بل هو من استطاع أن يحقق أهدافه دون أن يخسر نفسه، أو صحته، أو أسرته، أو سلامه الداخلي.
تباطؤك أحيانًا ليس ضعفًا، بل وعي، وليس تراجعًا، بل فرصة لترتيب الأولويات، واستعادة التوازن، والنظر إلى الحياة بعين أكثر هدوءًا وامتنانًا.
فالحياة لن تتوقف حتى نلحق بها، لكنها تصبح أجمل حين نتوقف نحن قليلًا... لنعيشها كما ينبغي، لا كما تفرضه علينا سرعتها.