ظهرت في الآونة الأخيرة دعواتٌ متجددة نحو التحول إلى الطاقة الشمسية، بوصفها حلًّا مستدامًا لمشكلة الاستهلاك المرتفع للطاقة، وبصفتي مختصًّا في هذا القطاع، فقد سألني كثيرٌ من الأصدقاء والمهتمين عن أفضل الطرق والحلول للاستفادة منها في المنازل، فأجيب دائمًا: لا لتركيب الطاقة الشمسية أولًا.
والملاحظة الجوهرية أن السؤال، في حقيقته، ليس عن مصدر الطاقة، إنما عن الاستهلاك العالي لها، وهنا يقع الخطأ الأكثر شيوعًا، في القفز نحو مصدر إنتاج الكهرباء قبل التفكير في تقليل الحاجة إليها، وهو خطأٌ يقلب ما يُعرف في أدبيات إدارة الطاقة بـ»هرم إدارة الطاقة» رأسًا على عقب، حيث يبدأ المستخدم من قمته المكلفة بدل قاعدته الأوفر.
ولتوضيح هذه النظرية الهرمية ببساطة، فإن قاعدة الهرم المتمثلة في حفظ الطاقة وترشيدها هي المرحلة الأولى والأعلى أثرًا والأقل كلفة، بل إن تطبيقها لا يتطلب إنفاقًا يُذكر، وإنما تعديلًا في الممارسات اليومية، على سبيل المثال: إطفاء الإنارة غير المستخدمة، والاستفادة من ضوء النهار، وضبط المكيف على 24 درجة، وتنظيف الفلاتر بشكل دوري، ووضع الثلاجة في مكان جيد التهوية بترك مسافة كافية حولها، وفصل الأجهزة بدلًا من تركها على وضع الاستعداد.
ثم تأتي المرحلة الثانية، وهي وسط الهرم المعنية بكفاءة الطاقة، وهنا يبدأ الإنفاق المحسوب الذي يحقق وفورات ونتائج مستمرة، على سبيل المثال: استبدال الإنارة بمصابيح LED، واختيار أجهزة ومكيفات عالية الكفاءة من الفئة (A)، وتحسين العزل الحراري للجدران والأسطح، واستخدام الزجاج العازل، ومعالجة تسرّب الهواء حول الأبواب والنوافذ، والاستعانة بمنظمات الحرارة الذكية.
وتأتي الطاقة المتجددة في قمة هذا الهرم، فبعد تخفيض الاستهلاك ورفع الكفاءة، تصبح الألواح الكهروضوئية والسخانات الشمسية الخطوة المنطقية الأخيرة، أما البدء بها قبل ذلك، فيعني استخدام نظام أكبر وأعلى تكلفة مما يحتاجه المنزل فعلًا، وبالتالي إنفاقًا مستمرًّا وعاليًا بدءًا من التأسيس إلى الصيانة وخلافها على المدى المتوسط والبعيد، بينما كان بالإمكان تقليل النظام تأسيسًا وكلفةً باتباع هذه المنهجية والبدء من عوامل الترشيد ورفع الكفاءة.
وفي الختام، عزيزي المستهلك يجب عليك دائمًا تذكّر القاعدة الأشمل في هذا المجال، بأن أرخص كهرباء هي التي لم تحتج إلى استهلاكها من الأساس، وقبل أن تفكر في إنتاج الكهرباء، فكّر أولًا في تقليل حاجتك إليها، وابدأ من قاعدة الهرم أولًا وليس من قمته.
** **
- م. نادر الشمري