«الجزيرة» - وائل العتيبي:
اختتم معرض «نجوم كوكب الفن» فعالياته في جدة، بعد يومين حافلين بالحضور التشكيلي والثقافي، قدّم خلالهما نموذجًا لافتًا للمعرض الفني الذي لا يكتفي بعرض الأعمال، بل يفتح بينها وبين الجمهور مساحة للحوار والتأمل، ويمنح الفنان فرصة لأن يقدّم تجربته بوصفها جزءًا من المشهد الثقافي المتنامي في المملكة.
وعلى مدى يومين، احتضنت الواجهة البحرية مجموعة من التجارب التشكيلية المتنوعة، التي عكست اختلاف الرؤى والأساليب والاشتغالات الفنية للمشاركين؛ فبدت اللوحات، رغم تباينها، كأنها تتجاور في حوار بصري مفتوح، تتقاطع فيه أسئلة الهوية والذاكرة والجمال مع نزعة التجريب والبحث عن لغة تشكيلية أكثر خصوصية.
وفي «نجوم كوكب الفن» برز التنوع بوضوح، من خلال أعمال تراوحت بين حضور الهوية ومفردات البيئة المحلية، وبين تجارب أكثر انفتاحًا على الحداثة البصرية. كما كشفت الأعمال عن مواهب تمتلك حسًا فنيًا واضحًا وقدرة على بناء شخصيتها التشكيلية الخاصة، سواء عبر التعامل الجريء مع اللون، أو توظيف الخامة، أو الاشتغال على التكوين والرمز، أو تحويل التجربة الذاتية إلى خطاب بصري قادر على الوصول إلى المتلقي.
اللافت أن قيمة المعرض لم تتوقف عند مستوى التنوع الجمالي، بل امتدت إلى إتاحة الفرصة أمام الفنانين لعرض تجاربهم أمام جمهور مباشر؛ وهي مساحة تكتسب أهميتها في زمن أصبحت فيه الصورة الرقمية حاضرة بقوة، إذ تظل المواجهة المباشرة مع العمل الفني مختلفة؛ فاللوحة في فضائها الحقيقي تستعيد مادتها وملمسها وحجمها وتفاصيلها، ويصبح حضورها أكثر قدرة على صناعة علاقة حسية وفكرية مع المتلقي.
كما أضاف الكتالوج الخاص بالمعرض بعدًا توثيقيًا مهمًا، من خلال تقديم معلومات عن الأعمال المشاركة ورؤاها الفنية، بما يحفظ جانبًا من هذه التجربة ويمنحها حضورًا يتجاوز يومي العرض. فالتوثيق في الحركة التشكيلية ليس تفصيلًا هامشيًا؛ بل يمثل ذاكرة ضرورية لحفظ أسماء الفنانين ومساراتهم وأعمالهم، وقراءة التحولات التي تمر بها التجربة الفنية من جيل إلى آخر.
ومع اختتام فعالياته، يترك «نجوم كوكب الفن» وراءه أكثر من مجموعة لوحات عُلّقت على جدران معرض؛ يترك تجربة جمعت الفنان بالمتلقي، والموهبة بالفرصة، والعمل الفني بالسؤال الثقافي. وفي زمن تتسع فيه مكانة الفنون البصرية داخل المشهد السعودي، تصبح مثل هذه المعارض جزءًا من حركة أكبر تعيد الاعتبار إلى الصورة واللون والخامة بوصفها أدوات للمعرفة والتعبير، لا مجرد عناصر للزينة.
فحين يقف المتلقي أمام لوحة، فإنه لا يرى ما رسمه الفنان فحسب، بل يرى جزءًا من تجربته وذاكرته وأسئلته؛ وحين تتعدد اللوحات والأصوات، تتسع أمامنا صورة المشهد الثقافي نفسه. ومن هذه الزاوية، يكتسب «نجوم كوكب الفن» قيمته الحقيقية: معرضًا احتفى بالفن، لكنه في الوقت ذاته منح المواهب مساحة لتقول إن للحركة التشكيلية السعودية وجوهًا جديدة، وأصواتًا تتشكل، ومستقبلًا لا يزال مفتوحًا على احتمالات واسعة.