السموأل محمد إبراهيم
ليس في سجل النعم التي يفيض بها الله على الأمم نعمة أجل خطرا، ولا أعظم أثراً، ولا أبقى ذكراً من نعمة الأمن؛ فهي الأصل الذي تتفرع عنه سائر النعم، والركن الذي تقوم عليه دعائم الحضارة، والنبع الذي تستمد منه الحياة سكينتها وازدهارها. فالأمن ليس مجرد طمأنينة تعبر القلوب، ولا استقرار يلوح في ظاهر الأحوال، بل هو قوام الوطن، وسياجه المنيع، والميزان الذي تنتظم به شؤون الحياة، وتأتلف في ظله القلوب، وتسمو به النفوس، وتزدهر به الحضارات. فإذا استقر الأمن، اطمأنت الأرواح، وانطلقت العقول إلى ميادين الإبداع، وامتدت الأيدي إلى البناء، وأقبلت الحياة على الناس بوجهها المشرق. وإذا اختل، تهاوت الطمأنينة، وتراجعت مسيرة العمران، وانكمشت الآمال، مهما عظمت الثروات، واتسعت الموارد، لأن الأوطان لا تشيد بالحجارة وحدها، وإنما تشيد أولاً بالأمن الذي يحرسها، والعدل الذي يصونها، والثقة التي تعمر بها قلوب أبنائها.
فكل عمران لا تحوطه الطمأنينة إلى زوال، وكل تنمية لا يحرسها الأمن إلى انحسار، وكل ازدهار لا يستند إلى الاستقرار إنما يقف على أرض رخوة، تهزها أول عاصفة، وتقوضها أدنى فتنة.
إن الأمن ليس مجرد غياب للجريمة أو انعدام للفوضى، بل هو منظومة حضارية متكاملة، تترجمها سيادة القانون، وعدالة المؤسسات، ويقظة الأجهزة، ووعي المجتمع، وتكامل الجهود بين الدولة وأبنائها. ومن هنا يصبح الأمن شريان الحياة الذي تتدفق عبره التنمية، ويزدهر في ظله الاقتصاد، وتنهض به ميادين التعليم، وتتسع آفاق الاستثمار، وتترسخ الثقة، وتشرق في النفوس معاني السكينة والانتماء.
وحين يشعر الإنسان بالأمان، فإنه ينصرف إلى البناء والإبداع والإنتاج، ويمنح وطنه أفضل ما لديه من فكر وعطاء. فالأمن هو البيئة التي تزدهر فيها التجارة، وتتعاظم فيها الفرص، وتستقطب إليها الاستثمارات، وتبنى فيها المدن، وترسم فيها ملامح المستقبل بثقة ويقين. ولذلك كانت الأمم تقيس قوتها بقدرتها على حماية الإنسان قبل حماية المكان، وعلى صيانة الحقوق قبل تشييد المباني.
ولقد قدمت المملكة العربية السعودية للعالم أنموذجا راسخا في ترسيخ مفهوم الأمن الشامل، حتى غدت مضرب المثل في بناء الدولة التي جعلت أمن الإنسان وكرامته وصون حقوقه في صدارة أولوياتها، إيماناً منها بأن الأمن ليس ثمرة للتنمية، بل هو أصلها الذي تتفرع عنه، وأساسها الذي تقوم عليه. فمنذ أن أرسى الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود -طيب الله ثراه- دعائم هذا الكيان المبارك، سارت المملكة على نهج راسخ، أدرك أن الاستقرار هو الشرط الأول لكل نهضة، وأن الأمن هو التربة الخصبة التي تنبت فيها مشروعات التنمية، وتزدهر في ظلالها الحضارة، وتثمر فيها جهود الإنسان. فما ازدهرت أمة إلا حين سادها الأمن، ولا استقامت حضارة إلا حين حكمها العدل، ولا أينعت تنمية إلا في ظل نظام راسخ، يحفظ الحقوق، ويصون المكتسبات، ويكفل للإنسان أن يمضي في طريق البناء مطمئن النفس، واثق الخطى.
وليس ما تنعم به المملكة العربية السعودية اليوم من أمن راسخ، واستقرار وارف، وطمأنينة تعم أرجاءها، وليد ظرف عابر، ولا ثمرة مصادفة مواتية، وإنما هو حصاد رؤية نافذة، وقيادة حكيمة، وعمل مؤسسي متقن، وجهود متواصلة لا تعرف الفتور، تعاضدت فيها الإرادة، وتكاملت فيها المؤسسات، حتى غدا الأمن في هذه البلاد ثقافة راسخة، ومنهجاً ثابتاً، وأسلوب حياة. وإن ما تحقق من استقرار شامخ إنما يعكس كفاءة الدولة، ورسوخ مؤسساتها، وعلو كفاية أجهزتها، وقدرتها على استشراف التحديات قبل وقوعها، والتعامل معها بكفاءة واقتدار.
وفي طليعة هذه المنظومة الوطنية الشامخة تتبوأ وزارة الداخلية مكانة محورية، بوصفها أحد الأعمدة الراسخة التي يقوم عليها صرح الأمن الوطني؛ إذ تحمل على عاتقها رسالة جليلة تتجاوز حفظ النظام إلى صيانة الأرواح، وحماية الممتلكات، وترسيخ الأمن الداخلي، وتعزيز الأمن الوقائي، ومكافحة الجريمة بمختلف صورها، وتطوير المنظومة الأمنية وفق أحدث الممارسات والتقنيات، وتسخير منجزات التحول الرقمي والابتكار لخدمة المواطن والمقيم والزائر، بما يرسخ أعلى معايير الكفاءة، ويعزز سرعة الاستجابة، ويرتقي بجودة الأداء الأمني إلى آفاق تواكب طموحات الوطن.
وتتجسد هذه الرسالة في منظومة أمنية متكاملة، تضم مختلف القطاعات التابعة للوزارة، التي تتناغم أدوارها في حفظ الأمن العام، وحماية الحدود، وصون الأرواح والممتلكات، وإدارة الحركة المرورية، والدفاع المدني، وخدمة ضيوف الرحمن، ومكافحة المخدرات، وأمن المنشآت، وسائر الأجهزة الأمنية المتخصصة، في صورة وطنية مشرقة، تعمل على مدار الساعة بعزيمة لا تفتر، وكفاءات وطنية مؤهلة، وإمكانات متقدمة، ورؤية تستشرف المستقبل، حتى غدت المملكة، بعون الله، نموذجا عالميا في الأمن والاستقرار، وواحة للطمأنينة، وبيئة تحتضن التنمية، وتصون المكتسبات، وتفتح للمستقبل آفاقاً أرحب من الازدهار والعطاء.
وإذا كانت الإنجازات الأمنية تقاس بانخفاض معدلات الجريمة، وسرعة الاستجابة، وكفاءة إدارة الأزمات، فإن أعظم إنجاز يتحقق هو ذلك الشعور العميق بالطمأنينة الذي يعيشه كل من يقيم على أرض المملكة. فهذه الطمأنينة ليست رقماً في تقرير، ولا خبراً في صحيفة، بل واقع يلمسه الناس في تفاصيل حياتهم اليومية، وفي قدرتهم على ممارسة أعمالهم، والتنقل، والاستثمار، والتعليم، والعبادة، في بيئة يسودها النظام والاحترام.
لقد أصبح الأمن في المملكة ركيزة أساسية لتحقيق مستهدفات رؤية السعودية 2030، إذ لا تنمية بلا استقرار، ولا استثمار بلا ثقة، ولا جودة حياة بلا أمن.
ولهذا تواصل الدولة تطوير منظومتها الأمنية، وتوظيف أحدث التقنيات، وتعزيز التحول الرقمي، ورفع كفاءة الكوادر، بما يواكب المتغيرات ويواجه التحديات بكفاءة واقتدار. ومن الإنصاف أن يقال إن رجال الأمن، في مختلف مواقعهم، هم الحراس الأمناء لهذه النعمة العظيمة؛ يسهرون لينام الناس آمنين، ويقفون في الميدان لتستمر الحياة في مسارها الطبيعي، ويؤدون رسالتهم بإخلاص وتجرد، مستلهمين قيم الولاء للدين ثم للملك والوطن، ومجسدين أسمى معاني المسؤولية الوطنية.
وفي الختام، يبقى الأمن أعظم ثروة تمتلكها الأوطان، وأسمى نعمة ينعم بها الإنسان؛ فإذا حضر الأمن حضرت التنمية، وازدهر الاقتصاد، وارتفعت جودة الحياة، وتعاظمت فرص المستقبل، وإذا غاب الأمن تراجعت المكاسب مهما بلغت الإمكانات. وستظل المملكة العربية السعودية، بعون الله، ثم بحكمة قيادتها، وكفاءة مؤسساتها، ويقظة رجالها، نموذجاً رائداً في ترسيخ الأمن والأمان، وصناعة الاستقرار، وبناء وطن ينعم فيه الإنسان بالحياة الكريمة، وتزدهر فيه مسيرة التنمية والعطاء جيلا بعد جيل. فحفظ الأمن ليس صفحة في سجل الدولة، بل هو السجل الذي تكتب فيه صفحات مجدها؛ وليس مرفقا من مرافقها، بل هو الروح التي تسري في أوصالها، والقيمة التي إذا استقرت في وطن استقرت معه الحياة بأسرها. وسيبقى الأمن، بإذن الله، راية خفاقة تظلل هذه البلاد المباركة، وركنا وثيقاً تستند إليه نهضتها، وشاهداً خالداً على أن الأوطان العظيمة تبنى بالإيمان، وتترسخ بالعدل، وتحيا بالأمن، وتسمو بإخلاص رجالها.